سورة عبس · الآية ٣٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { كلا إنها تذكرة } أي: حقا إن هذه الموعظة تذكرة من الله، يذكر بها عباده، ويبين لهم في كتابه ما يحتاجون إليه، ويبين الرشد من الغي، فإذا تبين ذلك { فمن شآء ذكره } أي: عمل به، كقوله تعالى: وقل الحق من ربكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر [الكهف: 29]. ثم ذكر محل هذه التذكرة وعظمها ورفع قدرها، فقال: { في صحف مكرمة * مرفوعة } القدر والرتبة { مطهرة } [من الآفاق و] عن أن تنالها أيدي الشياطين أو يسترقوها، بل هي { بأيدي سفرة } وهم الملائكة [الذين هم] السفراء بين الله وبين عباده، { كرام } أي: كثيري الخير والبركة، { بررة } قلوبهم وأعمالهم. وذلك كله حفظ من الله لكتابه، أن جعل السفراء فيه إلى الرسل الملائكة الكرام الأقوياء الأتقياء، ولم يجعل للشياطين عليه سبيلا، وهذا مما يوجب الإيمان به وتلقيه بالقبول، ولكن مع هذا أبى الإنسان إلا كفورا، ولهذا قال تعالى: { قتل الإنسان مآ أكفره } لنعمة الله، وما أشد معاندته للحق بعدما تبين، وهو ما هو؟ هو من أضعف الأشياء، خلقه الله من ماء مهين، ثم قدر خلقه، وسواه بشرا سويا، وأتقن قواه الظاهرة والباطنة. { ثم السبيل يسره } أي: يسر له الأسباب الدينية والدنيوية، وهداه السبيل، [وبينه] وامتحنه بالأمر والنهي، { ثم أماته فأقبره } أي: أكرمه بالدفن، ولم يجعله كسائر الحيوانات التي تكون جيفها على وجه الأرض، { ثم إذا شآء أنشره } أي: بعثه بعد موته للجزاء، فالله هو المنفرد بتدبير الإنسان وتصريفه بهذه التصاريف، لم يشاركه فيه مشارك، وهو - مع هذا - لا يقوم بما أمره الله، ولم يقض ما فرضه عليه، بل لا يزال مقصرا تحت الطلب. ثم أرشده تعالى إلى النظر والتفكر في طعامه، وكيف وصل إليه بعدما تكررت عليه طبقات عديدة، ويسره له فقال: { فلينظر الإنسان إلى طعامه * أنا صببنا المآء صبا } أي: أنزلنا المطر على الأرض بكثرة، { ثم شققنا الأرض } للنبات { شقا * فأنبتنا فيها } أصنافا مصنفة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى محتجا على منكري البعث في إعادة الخلق بعد بدئه: {أأنتم} أيها الناس {أشد خلقا أم السماء} ؟ يعني: بل السماء أشد خلقا منكم، كما قال تعالى: {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس} [غافر: 57] ، وقال: {أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم (1) } [يس: 81] ، فقوله: {بناها} فسره بقوله: {رفع سمكها فسواها} أي: جعلها عالية البناء، بعيدة الفناء، مستوية الأرجاء، مكللة بالكواكب في الليلة الظلماء. وقوله: {وأغطش ليلها وأخرج ضحاها} أي: جعل ليلها مظلما أسود حالكا، ونهارها مضيئا مشرقا نيرا واضحا. قال ابن عباس: أغطش ليلها: أظلمه. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وجماعة كثيرون. {وأخرج ضحاها} أي: أنار نهارها. وقوله: {والأرض بعد ذلك دحاها} فسره بقوله: {أخرج منها ماءها ومرعاها} وقد تقدم في سورة "حم السجدة" (2) أن الأرض خلقت قبل السماء، ولكن إنما دحيت بعد خلق السماء، بمعنى أنه أخرج ما كان فيها بالقوة إلى الفعل. وهذا معنى قول ابن عباس، وغير واحد، واختاره ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي، حدثنا عبيد الله-يعني ابن عمرو-عن زيد بن أبي أنيسة، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {دحاها} ودحيها أن أخرج منها الماء والمرعى، وشقق [فيها] (3) الأنهار، وجعل فيها الجبال والرمال والسبل والآكام، فذلك قوله: {والأرض بعد ذلك دحاها} وقد تقدم تقرير ذلك هنالك. وقوله: {والجبال أرساها} أي: قررها وأثبتها وأكدها في أماكنها، وهو الحكيم العليم، الرءوف بخلقه الرحيم. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا العوام بن حوشب، عن سليمان بن أبي سليمان، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لما خلق الله الأرض جعلت تميد، فخلق الجبال فألقاها عليها، فاستقرت فتعجبت الملائكة من خلق الجبال فقالت: يا رب، فهل من
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٣١٦) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٩٧) ↗التحرير والتنوير
32] فلينظر الإنسان إلى طعامه (24) أنا صببنا الماء صبا (25) ثم شققنا الأرض شقا (26) فأنبتنا فيها حبا (27) وعنبا وقضبا (28) وزيتونا ونخلا (29) وحدائق غلبا (30) وفاكهة وأبا (31) متاعا لكم ولأنعامكم (32) إما مفرع على قوله: لما يقض ما أمره [عبس: 23] فيكون مما أمره الله به من النظر، وإما على قوله: ما أكفره [عبس: 17] فيكون هذا النظر مما يبطل ويزيل شدة كفر الإنسان. والفاء مع كونها للتفريع تفيد معنى الفصيحة، إذ التقدير: إن أراد أن يقضي ما أمره فلينظر إلى طعامه أو إن أراد نقض كفره فلينظر إلى طعامه. وهذا نظير الفاء في قوله تعالى: إن كل نفس لما عليها حافظ فلينظر الإنسان مم خلق [الطارق: 4، 5] ، أي إن أراد الإنسان الخلاص من تبعات ما يكتبه عليه الحافظ فلينظر مم خلق ليهتدي بالنظر فيؤمن فينجو. وهذا استدلال آخر على تقريب كيفية البعث انتقل إليه في معرض الإرشاد إلى تدارك الإنسان ما أهمله وكان الانتقال من الاستدلال بما في خلق الإنسان من بديع الصنع من دلائل قائمة بنفسه في آية: من أي شيء خلقه [عبس: 18] إلى الاستدلال بأحوال موجودة في بعض الكائنات شديدة الملازمة لحياة الإنسان ترسيخا للاستدلال، وتفننا فيه، وتعريضا بالمنة على الإنسان في هذه الدلائل، من نعمة النبات الذي به بقاء حياة الإنسان وحياة ما ينفعه من الأنعام. وتعدية فعل النظر هنا بحرف إلى تدل على أنه من نظر العين إشارة إلى أن العبرة تحصل بمجرد النظر في أطواره. والمقصود التدبر فيما يشاهده الإنسان من أحوال طعامه بالاستدلال بها على إيجاد الموجودات من الأرض. وجعل المنظور إليه ذات الطعام مع أن المراد النظر إلى أسباب تكونه وأحوال تطوره إلى حالة انتفاع الإنسان به وانتفاع أنعام الناس به. وذلك من أسلوب إناطة الأحكام بأسماء الذوات، والمراد أحوالها مثل قوله تعالى: حرمت عليكم الميتة [المائدة: 3] أي أكلها، فأمر الله الإنسان بالتفكير في أطوار تكون الحبوب …
أكمل القراءة في الكتاب ↗