سورة عبس · الآية ٣٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { كلا إنها تذكرة } أي: حقا إن هذه الموعظة تذكرة من الله، يذكر بها عباده، ويبين لهم في كتابه ما يحتاجون إليه، ويبين الرشد من الغي، فإذا تبين ذلك { فمن شآء ذكره } أي: عمل به، كقوله تعالى: وقل الحق من ربكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر [الكهف: 29]. ثم ذكر محل هذه التذكرة وعظمها ورفع قدرها، فقال: { في صحف مكرمة * مرفوعة } القدر والرتبة { مطهرة } [من الآفاق و] عن أن تنالها أيدي الشياطين أو يسترقوها، بل هي { بأيدي سفرة } وهم الملائكة [الذين هم] السفراء بين الله وبين عباده، { كرام } أي: كثيري الخير والبركة، { بررة } قلوبهم وأعمالهم. وذلك كله حفظ من الله لكتابه، أن جعل السفراء فيه إلى الرسل الملائكة الكرام الأقوياء الأتقياء، ولم يجعل للشياطين عليه سبيلا، وهذا مما يوجب الإيمان به وتلقيه بالقبول، ولكن مع هذا أبى الإنسان إلا كفورا، ولهذا قال تعالى: { قتل الإنسان مآ أكفره } لنعمة الله، وما أشد معاندته للحق بعدما تبين، وهو ما هو؟ هو من أضعف الأشياء، خلقه الله من ماء مهين، ثم قدر خلقه، وسواه بشرا سويا، وأتقن قواه الظاهرة والباطنة. { ثم السبيل يسره } أي: يسر له الأسباب الدينية والدنيوية، وهداه السبيل، [وبينه] وامتحنه بالأمر والنهي، { ثم أماته فأقبره } أي: أكرمه بالدفن، ولم يجعله كسائر الحيوانات التي تكون جيفها على وجه الأرض، { ثم إذا شآء أنشره } أي: بعثه بعد موته للجزاء، فالله هو المنفرد بتدبير الإنسان وتصريفه بهذه التصاريف، لم يشاركه فيه مشارك، وهو - مع هذا - لا يقوم بما أمره الله، ولم يقض ما فرضه عليه، بل لا يزال مقصرا تحت الطلب. ثم أرشده تعالى إلى النظر والتفكر في طعامه، وكيف وصل إليه بعدما تكررت عليه طبقات عديدة، ويسره له فقال: { فلينظر الإنسان إلى طعامه * أنا صببنا المآء صبا } أي: أنزلنا المطر على الأرض بكثرة، { ثم شققنا الأرض } للنبات { شقا * فأنبتنا فيها } أصنافا مصنفة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقوله: (ثم إذا شاء أنشره) أي: بعثه بعد موته، ومنه يقال: البعث والنشور، {ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون} [الروم: 20] ، {وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما} [البقرة: 259] . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أصبغ بن الفرج، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث: أن دراجا أبا السمح أخبره، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه (1) قيل: وما هو يا رسول الله؟ قال: "مثل حبة خردل منه ينشئون" (2) . وهذا الحديث ثابت في الصحيح من رواية الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، بدون هذه الزيادة، ولفظه: "كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب، منه خلق وفيه يركب" (3) . وقوله: (كلا لما يقض ما أمره) قال ابن جرير: يقول: كلا ليس الأمر كما يقول هذا الإنسان الكافر؛ من أنه قد أدى حق الله عليه في نفسه وماله، (لما يقض ما أمره) يقول: لم يؤد ما فرض عليه من الفرائض لربه عز وجل. ثم روى-هو وابن أبي حاتم-من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: (كلا لما يقض ما أمره) قال: لا يقضي أحد أبدا كل ما افترض عليه. وحكاه البغوي، عن الحسن البصري، بنحو من هذا. ولم أجد للمتقدمين فيه كلاما سوى هذا. والذي يقع لي في معنى ذلك-والله أعلم-أن المعنى: (ثم إذا شاء أنشره) أي: بعثه، (كلا لما يقض ما أمره) [أي] (4) لا يفعله الآن حتى تنقضي المدة، ويفرغ القدر من بني آدم ممن كتب تعالى (5) له أن سيوجد منهم، ويخرج إلى الدنيا، وقد أمر به تعالى كونا وقدرا، فإذا تناهى ذلك عند الله أنشر الله الخلائق وأعادهم كما بدأهم. وقد روى ابن أبي حاتم، عن وهب بن منبه قال: قال عزير، عليه السلام: قال الملك الذي جاءني: فإن القبور هي بطن الأرض، وإن الأرض هي أم الخلق، فإذا خلق الله ما أراد أن يخلق وتمت هذه القبور التي مد الله لها، انقطعت الدنيا ومات من عليها، ولفظت الأرض ما في …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/١١٤) ↗التحرير والتنوير
32] فلينظر الإنسان إلى طعامه (24) أنا صببنا الماء صبا (25) ثم شققنا الأرض شقا (26) فأنبتنا فيها حبا (27) وعنبا وقضبا (28) وزيتونا ونخلا (29) وحدائق غلبا (30) وفاكهة وأبا (31) متاعا لكم ولأنعامكم (32) إما مفرع على قوله: لما يقض ما أمره [عبس: 23] فيكون مما أمره الله به من النظر، وإما على قوله: ما أكفره [عبس: 17] فيكون هذا النظر مما يبطل ويزيل شدة كفر الإنسان. والفاء مع كونها للتفريع تفيد معنى الفصيحة، إذ التقدير: إن أراد أن يقضي ما أمره فلينظر إلى طعامه أو إن أراد نقض كفره فلينظر إلى طعامه. وهذا نظير الفاء في قوله تعالى: إن كل نفس لما عليها حافظ فلينظر الإنسان مم خلق [الطارق: 4، 5] ، أي إن أراد الإنسان الخلاص من تبعات ما يكتبه عليه الحافظ فلينظر مم خلق ليهتدي بالنظر فيؤمن فينجو. وهذا استدلال آخر على تقريب كيفية البعث انتقل إليه في معرض الإرشاد إلى تدارك الإنسان ما أهمله وكان الانتقال من الاستدلال بما في خلق الإنسان من بديع الصنع من دلائل قائمة بنفسه في آية: من أي شيء خلقه [عبس: 18] إلى الاستدلال بأحوال موجودة في بعض الكائنات شديدة الملازمة لحياة الإنسان ترسيخا للاستدلال، وتفننا فيه، وتعريضا بالمنة على الإنسان في هذه الدلائل، من نعمة النبات الذي به بقاء حياة الإنسان وحياة ما ينفعه من الأنعام. وتعدية فعل النظر هنا بحرف إلى تدل على أنه من نظر العين إشارة إلى أن العبرة تحصل بمجرد النظر في أطواره. والمقصود التدبر فيما يشاهده الإنسان من أحوال طعامه بالاستدلال بها على إيجاد الموجودات من الأرض. وجعل المنظور إليه ذات الطعام مع أن المراد النظر إلى أسباب تكونه وأحوال تطوره إلى حالة انتفاع الإنسان به وانتفاع أنعام الناس به. وذلك من أسلوب إناطة الأحكام بأسماء الذوات، والمراد أحوالها مثل قوله تعالى: حرمت عليكم الميتة [المائدة: 3] أي أكلها، فأمر الله الإنسان بالتفكير في أطوار تكون الحبوب …
أكمل القراءة في الكتاب ↗