سورة عبس · الآية ١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
وسبب نزول هذه الآيات الكريمات، أنه جاء رجل من المؤمنين أعمى يسأل النبي صلى الله عليه ويتعلم منه. وجاءه رجل من الأغنياء، وكان صلى الله عليه وسلم حريصا على هداية الخلق، فمال صلى الله عليه وسلم [وأصغى] إلى الغني، وصد عن الأعمى الفقير، رجاء لهداية ذلك الغني، وطمعا في تزكيته، فعاتبه الله بهذا العتاب اللطيف، فقال: { عبس } [أي:] في وجهه { وتولى } في بدنه، لأجل مجيء الأعمى له، ثم ذكر الفائدة في الإقبال عليه، فقال: { وما يدريك لعله } أي: الأعمى { يزكى }؟ أي: يتطهر عن الأخلاق الرذيلة، ويتصف بالأخلاق الجميلة؟ { أو يذكر فتنفعه الذكرى } أي: يتذكر ما ينفعه، فيعمل بتلك الذكرى. وهذه فائدة كبيرة، هي المقصودة من بعثة الرسل، ووعظ الوعاظ، وتذكير المذكرين، فإقبالك على من جاء بنفسه مفتقرا لذلك منك، هو الأليق الواجب، وأما تصديك وتعرضك للغني المستغني الذي لا يسأل ولا يستفتي لعدم رغبته في الخير، مع تركك من هو أهم منه، فإنه لا ينبغي لك، فإنه ليس عليك أن لا يزكى، فلو لم يتزك، فلست بمحاسب على ما عمله من الشر. فدل هذا على القاعدة المشهورة، أنه: " لا يترك أمر معلوم لأمر موهوم، ولا مصلحة متحققة لمصلحة متوهمة " ، وأنه ينبغي الإقبال على طالب العلم، المفتقر إليه، الحريص عليه أزيد من غيره.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: عبس ١–١٠) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يعني ابن أم مكتوم (1) . وقال أبو يعلى وابن جرير: حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثني أبي، عن هشام بن عروة مما عرضه عليه عن عروة، عن عائشة قالت: أنزلت: (عبس وتولى) في ابن أم مكتوم الأعمى، أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول: أرشدني. قالت: وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم من عظماء المشركين. قالت: فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعرض عنه ويقبل على الآخر، ويقول: "أترى بما أقول بأسا؟ ". فيقول: لا. ففي هذا أنزلت: (عبس وتولى) (2) . وقد روى الترمذي هذا الحديث، عن سعيد بن يحيى الأموي، بإسناده، مثله، ثم قال: وقد رواه بعضهم عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: أنزلت (عبس وتولى) في ابن أم مكتوم، ولم يذكر فيه عن عائشة (3) . قلت: كذلك هو في الموطأ (4) . ثم روى ابن جرير وابن أبي حاتم أيضا من طريق العوفي، عن ابن عباس قوله: (عبس وتولى * أن جاءه الأعمى) قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يناجي عتبة بن ربيعة، وأبا جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب-وكان يتصدى لهم كثيرا، ويحرص (5) عليهم أن يؤمنوا-فأقبل إليه رجل أعمى-يقال له عبد الله بن أم مكتوم-يمشي وهو يناجيهم، فجعل عبد الله يستقرئ النبي صلى الله عليه وسلم آية من القرآن، وقال: يا رسول الله، علمني مما علمك الله. فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبس في وجهه، وتولى وكره كلامه، وأقبل على الآخرين، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم نجواه، وأخذ ينقلب إلى أهله، أمسك الله بعض بصره، ثم خفق برأسه، ثم أنزل الله: (عبس وتولى * أن جاءه الأعمى * وما يدريك لعله يزكى * أو يذكر فتنفعه الذكرى) فلما نزل فيه ما نزل، أكرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمه وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ما حاجتك؟ هل تريد من شيء؟ " وإذا ذهب من عنده قال: "هل لك حاجة في شيء؟ ". وذلك لما أنزل الله تعالى: (أما من استغنى * فأنت له تصدى * وما عليك ألا يزكى) (6) . فيه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
جاءه} [عبس: 2] فيقول: (آن جاءه) وكأن معنى الكلام كان عنده: أأن جاءه الأعمى عبس وتولى؟ كما قرأ من قرأ: {أن كان ذا مال وبنين} [القلم: 14] بمد الألف من أن وقصرها وذكر أن الأعمى الذي ذكره الله في هذه الآية، هو ابن أم مكتوم، عوتب النبي صلى الله عليه وسلم بسببه
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/١٠٢) ↗التحرير والتنوير
4] بسم الله الرحمن الرحيم عبس وتولى (1) أن جاءه الأعمى (2) وما يدريك لعله يزكى (3) أو يذكر فتنفعه الذكرى (4) افتتاح هذه السورة بفعلين متحملين لضمير لا معاد له في الكلام تشويق لما سيورد بعدهما، والفعلان يشعران بأن المحكي حادث عظيم، فأما الضمائر فيبين إبهامها قوله: فأنت له تصدى [عبس: 6] وأما الحادث فيتبين من ذكر الأعمى ومن استغنى. وهذا الحادث سبب نزول هذه الآيات من أولها إلى قوله: بررة [عبس: 16] . وهو ما رواه مالك في «الموطأ» مرسلا عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: أنزلت عبس وتولى في ابن أم مكتوم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول: يا محمد استدنني، وعند النبيء صلى الله عليه وسلم رجل من عظماء المشركين فجعل النبيء صلى الله عليه وسلم يعرض عنه (أي عن ابن أم مكتوم) ويقبل على الآخر، ويقول: يا أبا فلان هل ترى بما أقول بأسا فيقول: «لا والدماء ما أرى بما تقول يأسا» ، فأنزلت: عبس وتولى ورواه الترمذي مسندا عن عروة عن عائشة بقريب من هذا، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وروى الطبري عن ابن عباس: «أن ابن أم مكتوم جاء يستقرىء النبيء صلى الله عليه وسلم آية من القرآن ومثله عن قتادة. وقال الواحدي وغيره: «كان النبيء صلى الله عليه وسلم حينئذ يناجي عتبة بن ربيعة وأبا جهل، والعباس بن عبد المطلب، وأبي بن خلف، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن المغيرة، والنبيء صلى الله عليه وسلم يقبل على الوليد بن المغيرة يعرض عليهم الإسلام. ولا خلاف في أن المراد ب الأعمى هو ابن أم مكتوم. قيل: اسمه عبد الله وقيل: اسمه عمرو، وهو الذي اعتمده في «الإصابة» ، وهو ابن قيس بن زائدة من بني عامر بن لؤي من قريش. وأمه عاتكة، وكنيت أم مكتوم لأن ابنها عبد الله ولد أعمى والأعمى يكنى
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/١٠٣) ↗