سورة الأنفال · الآية ٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
قدم تعالى - أمام هذه الغزوة الكبرى المباركة - الصفات التي على المؤمنين أن يقوموا بها، لأن من قام بها استقامت أحواله وصلحت أعماله، التي من أكبرها الجهاد في سبيله. فكما أن إيمانهم هو الإيمان الحقيقي، وجزاءهم هو الحق الذي وعدهم الله به، كذلك أخرج الله رسوله صلى الله عليه وسلم من بيته إلى لقاء المشركين في " بدر " بالحق الذي يحبه الله تعالى، وقد قدره وقضاه. وإن كان المؤمنون لم يخطر ببالهم في ذلك الخروج أنه يكون بينهم وبين عدوهم قتال. فحين تبين لهم أن ذلك واقع، جعل فريق من المؤمنين يجادلون النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، ويكرهون لقاء عدوهم، كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون. والحال أن هذا لا ينبغي منهم، خصوصا بعد ما تبين لهم أن خروجهم بالحق، ومما أمر الله به ورضيه، فبهذه الحال ليس للجدال محل [فيها]، لأن الجدال محله وفائدته عند اشتباه الحق والتباس الأمر،. فأما إذا وضح وبان، فليس إلا الانقياد والإذعان. هذا وكثير من المؤمنين لم يجر منهم من هذه المجادلة شيء، ولا كرهوا لقاء عدوهم، وكذلك الذين عاتبهم الله، انقادوا للجهاد أشد الانقياد، وثبتهم الله، وقيض لهم من الأسباب ما تطمئن به قلوبهم كما سيأتي ذكر بعضها. وكان أصل خروجهم يتعرضون لعير خرجت مع أبي سفيان بن حرب لقريش إلى الشام، قافلة كبيرة، فلما سمعوا برجوعها من الشام، ندب النبي صلى الله عليه وسلم الناس، فخرج معه ثلاثمائة، وبضعة عشر رجلا معهم سبعون بعيرا، يعتقبون عليها، ويحملون عليها متاعهم، فسمعت بخبرهم قريش، فخرجوا لمنع عيرهم، في عدد كثير وعدة وافرة من السلاح والخيل والرجال، يبلغ عددهم قريبا من الألف. فوعد الله المؤمنين إحدى الطائفتين، إما أن يظفروا بالعير، أو بالنفير، فأحبوا العير لقلة ذات يد المسلمين، ولأنها غير ذات شوكة، ولكن الله تعالى أحب لهم وأراد أمرا أعلى مما أحبوا. أراد أن يظفروا بالنفير الذي خرج فيه كبراء المشركين وصناديدهم، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قال الإمام أبو جعفر الطبري: اختلف المفسرون في السبب الجالب لهذه "الكاف" في قوله: {كما أخرجك ربك} فقال بعضهم: شبه به في الصلاح للمؤمنين، اتقاؤهم ربهم، وإصلاحهم ذات بينهم، وطاعتهم الله ورسوله. ثم روى عن عكرمة نحو هذا. ومعنى هذا أن الله تعالى يقول: كما أنكم لما اختلفتم في المغانم وتشاححتم فيها فانتزعها الله منكم، وجعلها إلى قسمه وقسم رسوله صلى الله عليه وسلم (1) فقسمها على العدل والتسوية، فكان هذا هو المصلحة التامة لكم، وكذلك لما كرهتم الخروج إلى الأعداء من قتال ذات الشوكة -وهم النفير (2) النفير الذين خرجوا لنصر دينهم، وإحراز عيرهم -فكان عاقبة، كراهتكم للقتال -بأن قدره لكم، وجمع به بينكم وبين عدوكم على غير ميعاد -رشدا وهدى، ونصرا وفتحا، كما قال تعالى: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} [البقرة: 216] قال ابن جرير: وقال آخرون: معنى ذلك: {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق} على كره من فريق من المؤمنين، كذلك هم كارهون للقتال، فهم يجادلونك فيه بعد ما تبين لهم، ثم روى نحوه عن مجاهد أنه قال: {كما أخرجك ربك} قال: كذلك يجادلونك في الحق. وقال السدي: أنزل الله في خروجه (3) إلى بدر ومجادلتهم إياه فقال: {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون} لطلب المشركين {يجادلونك في الحق بعدما تبين} وقال بعضهم: يسألونك عن الأنفال مجادلة، كما جادلوك يوم بدر فقالوا: أخرجتنا للعير، ولم تعلمنا قتالا فنستعد له. قلت: رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما خرج من المدينة طالبا لعير أبي سفيان، التي بلغه خبرها أنها صادرة من الشام، فيها أموال جزيلة لقريش فاستنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين من خف منهم، فخرج في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا وطلب نحو الساحل من على طريق بدر، وعلم أبو سفيان بخروج رسول الله صلى الله عليه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
سفيان بن حرب والعير، وفرقة المشركين الذين نفروا من مكة لمنع عيرهم. وقوله: {أنها لكم} [الأنفال: 7] يقول: إن ما معهم غنيمة لكم. {وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم} [الأنفال: 7] يقول: وتحبون أن تكون تلك الطائفة التي ليست لها شوكة، يقول: ليس لها حد ولا فيها قتال أن تكون لكم، يقول: تودون أن تكون لكم العير التي ليس فيها قتال لكم دون جماعة قريش الذين جاءوا لمنع عيرهم الذين في لقائهم القتال والحرب.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٤٠) ↗التحرير والتنوير
وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين (7) ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون (8) الأحسن أن تكون وإذ يعدكم الله معطوفا على كما أخرجك [الأنفال: 5] عطف المفرد على المفرد فيكون المعطوف مشبها به التشبيه المفاد بالكاف والمعنى: كإخراجك الله من بيتك وكوقت يعدكم الله إحدى الطائفتين الآية واسم الزمان إذا أضيف إلى الجملة كانت الجملة في تأويل المفرد فتؤول بمصدر، والتقدير: وكوقت وعد الله إحدى الطائفتين، ف إذ اسم زمان متصرف مجرور بالعطف على مجرور كاف التشبيه، وجعل صاحب «الكشاف» إذ مفعولا لفعل (اذكر) محذوف شأن إذ الواقعة في مفتتح القصص، فيكون عطف جملة الأمر المقدر على جملة قل الأنفال لله [الأنفال: 1] والمناسبة هي أن كلا القولين فيه توقيفهم على خطأ رأيهم وأن ما كرهوه هو الخير لهم. و «الطائفة» الجماعة من الناس، وتقدم عند قوله فلتقم طائفة منهم معك في سورة النساء [102] . وجملة: أنها لكم في تأويل مصدر، هو بدل اشتمال من إحدى الطائفتين، أي: يعدكم مصير إحدى الطائفتين لكم، أي كونها معطاة لكم، وهو إعطاء النصر والغلبة عليها بين قتل وأسر وغنيمة. واللام للملك وهو هنا ملك عرفي، كما يقولون كان يوم كذا لبني فلان على بني فلان، فيعرف أنه كان لهم فيه غلبة حرب وهي بالقتل والأسر والغنيمة. وتودون إما عطف على يعدكم أي إذ يقع الوعد من الله والود منكم، وإما في موضع الحال والواو واو الحال، أي يعدكم الله إحدى الطائفتين في حال ودكم لقاء الطائفة غير ذات الشوكة وهذا الود هو محل التشبيه الذي أفاده عطف وإذ يعدكم، مجرور الكاف في قوله: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق [الأنفال: 5] فهو مما شبه
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٩/٢٦٩) ↗