سورة الأنفال · الآية ٦٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذه معاتبة من الله لرسوله وللمؤمنين يوم " بدر " إذ أسروا المشركين وأبقوهم لأجل الفداء، وكان رأي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في هذه الحال، قتلهم واستئصالهم. فقال تعالى: { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض } أي: ما ينبغي ولا يليق به إذا قاتل الكفار الذين يريدون أن يطفؤوا نور الله ويسعوا لإخماد دينه، وأن لا يبقى على وجه الأرض من يعبد الله، أن يتسرع إلى أسرهم وإبقائهم لأجل الفداء الذي يحصل منهم، وهو عرض قليل بالنسبة إلى المصلحة المقتضية لإبادتهم وإبطال شرهم، فما دام لهم شر وصولة، فالأوفق أن لا يؤسروا. فإذا أثخنوا، وبطل شرهم، واضمحل أمرهم، فحينئذ لا بأس بأخذ الأسرى منهم وإبقائهم. يقول تعالى: { تريدون } بأخذكم الفداء وإبقائهم { عرض الدنيا } أي: لا لمصلحة تعود إلى دينكم. { والله يريد الآخرة } بإعزاز دينه، ونصر أوليائه، وجعل كلمتهم عالية فوق غيرهم، فيأمركم بما يوصل إلى ذلك. { والله عزيز حكيم } أي: كامل العزة، ولو شاء أن ينتصر من الكفار من دون قتال لفعل، لكنه حكيم، يبتلي بعضكم ببعض. { لولا كتاب من الله سبق } به القضاء والقدر، أنه قد أحل لكم الغنائم، وأن الله رفع عنكم - أيها الأمة - العذاب { لمسكم فيمآ أخذتم عذاب عظيم } وفي الحديث: " لو نزل عذاب يوم بدر، ما نجا منه إلا عمر ". { فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا } وهذا من لطفه تعالى بهذه الأمة، أن أحل لها الغنائم ولم يحلها لأمة قبلها. { واتقوا الله } في جميع أموركم ولازموها، شكرا لنعم الله عليكم، { إن الله غفور } يغفر لمن تاب إليه جميع الذنوب، ويغفر لمن لم يشرك به شيئا جميع المعاصي. { رحيم } بكم، حيث أباح لكم الغنائم وجعلها حلالا طيبا.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الأنفال ٦٧–٦٩) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
عليه السلام، قال: {ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم} [يونس: 88] ،وإن مثلك يا عمر كمثل نوح عليه السلام، قال: {رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} [نوح: 26] ،أنتم عالة فلا ينفلتن أحد منهم إلا بفداء أو ضربة عنق". قال ابن مسعود: قلت: يا رسول الله، إلا سهيل بن بيضاء، فإنه يذكر الإسلام، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع علي حجارة من السماء مني في ذلك اليوم، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إلا سهيل بن بيضاء" فأنزل الله تعالى: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى} إلى آخر الآية. رواه الإمام أحمد والترمذي، من حديث أبي معاوية، عن الأعمش، والحاكم في مستدركه، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه (1) وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه، عن عبد الله بن عمر، وأبي هريرة، رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه (2) وفي الباب عن أبي أيوب الأنصاري. وروى ابن مردويه أيضا -واللفظ له -والحاكم في مستدركه، من حديث عبيد الله بن موسى: حدثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: لما أسر الأسارى يوم بدر، أسر العباس فيمن أسر، أسره رجل من الأنصار، قال: وقد أوعدته الأنصار أن يقتلوه. فبلغ ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لم أنم الليلة من أجل عمي العباس، وقد زعمت الأنصار أنهم قاتلوه" فقال له عمر: فآتهم؟ قال: "نعم" فأتى عمر الأنصار فقال لهم: أرسلوا العباس فقالوا: لا والله لا نرسله. فقال لهم عمر: فإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم رضى؟ قالوا: فإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم رضى فخذه. فأخذه عمر فلما صار في يده قال له: يا عباس، أسلم، فوالله لأن تسلم أحب إلي من أن يسلم الخطاب، وما ذاك إلا لما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه إسلامك، قال: فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
دينكم شيئا بعد هذه من قبل أن يعهد فيه إليكم، كما فعلتم في أخذ الفداء وأكل الغنيمة وأخذتموهما من قبل أن يحلا لكم. {إن الله غفور PageEndV11P284 رحيم} [البقرة: 173] وهذا من المؤخر الذي معناه التقديم، وتأويل الكلام: فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا، إن الله غفور رحيم، واتقوا الله. ويعني بقوله: {إن الله غفور} [البقرة: 173] لذنوب أهل الإيمان من عباده {رحيم} [البقرة: 143] بهم أن يعاقبهم بعد توبتهم منها
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٢٨٣) ↗التحرير والتنوير
… عظيمة، فالمراد بالعذاب أن أولئك الأسرى الذين فادوهم كانوا صناديد المشركين وقد تخلصوا من القتل والأسر يحملون في صدورهم حنقا فكان من معتاد أمثالهم في مثل ذلك أن يسعوا في قومهم إلى أخذ ثأر قتلاهم واسترداد أموالهم فلو فعلوا لكانت دائرة عظيمة على المسلمين، ولكن الله سلم المسلمين من ذلك فصرف المشركين عن محبة أخذ الثأر، وألهاهم بما شغلهم عن معاودة قتال المسلمين، فذلك الصرف هو من الكتاب الذي سبق عند الله تعالى. وقد حصل من هذه الآية تحذير المسلمين من العودة للفداء في مثل هذه الحالة، وبذلك كانت تشريعا للمستقبل كما ذكرناه آنفا. [69] 69] فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم (69) الفاء تؤذن بتفريع هذا الكلام على ما قبله. وفي هذا التفريع وجهان: أحدهما: الذي جرى عليه كلام المفسرين أنه تفريع على قوله: لولا كتاب من الله سبق [الأنفال: 68] إلخ ... أي لولا ما سبق من حل الغنائم لكم لمسكم عذاب عظيم، وإذ قد سبق الحل فلا تبعة عليكم في الانتفاع بمال الفداء. وقد روي أنه لما نزل قوله تعالى: ما كان لنبي أن يكون له أسرى [الأنفال: 67] الآية، أمسكوا عن الانتفاع بمال الفداء، فنزل قوله تعالى: فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا وعلى هذا الوجه قد سمي مال الفداء غنيمة تسمية بالاسم اللغوي دون الاسم الشرعي لأن الغنيمة في اصطلاح الشرع هي ما افتكه المسلمون من مال العدو بالإيجاف عليهم.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/٧٨) ↗