سورة الأنفال · الآية ٥٤
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ۙ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ ۚ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ ذلك } العذاب الذي أوقعه الله بالأمم المكذبين، وأزال عنهم ما هم فيه من النعم والنعيم، بسبب ذنوبهم وتغييرهم ما بأنفسهم، فإن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم من نعم الدين والدنيا، بل يبقيها ويزيدهم منها، إن ازدادوا له شكرا. { حتى يغيروا ما بأنفسهم } من الطاعة إلى المعصية فيكفروا نعمة الله ويبدلوها كفرا، فيسلبهم إياها ويغيرها عليهم كما غيروا ما بأنفسهم. ولله الحكمة في ذلك والعدل والإحسان إلى عباده، حيث لم يعاقبهم إلا بظلمهم، وحيث جذب قلوب أوليائه إليه، بما يذيق العباد من النكال إذا خالفوا أمره. { وأن الله سميع عليم } يسمع جميع ما نطق به الناطقون، سواء من أسر القول ومن جهر به، ويعلم ما تنطوي عليه الضمائر، وتخفيه السرائر، فيجري على عباده من الأقدار ما اقتضاه علمه وجرت به مشيئته. { كدأب آل فرعون } أي: فرعون وقومه { والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم } حين جاءتهم { فأهلكناهم بذنوبهم } كل بحسب جرمه. { وأغرقنآ آل فرعون وكل } من المهلكين المعذبين { كانوا ظالمين } لأنفسهم، ساعين في هلاكها، لم يظلمهم الله، ولا أخذهم بغير جرم اقترفوه، فليحذر المخاطبون أن يشابهوهم في الظلم، فيحل الله بهم من عقابه ما أحل بأولئك الفاسقين.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الأنفال ٥٣–٥٤) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… متقاربة. والدأب -بالتسكين، والتحريك أيضا كنهر ونهر-: هو الصنع (4) والشأن والحال والأمر والعادة، كما يقال: لا يزال هذا دأبي ودأبك، وقال امرؤ القيس: وقوفا بها صحبي علي مطيهم %~% يقولون: لا تهلك (5) أسى وتجمل (6) كدأبك من أم الحويرث (7) قبلها %~% وجارتها أم الرباب بمأسل (8) والمعنى: كعادتك في أم الحويرث حين أهلكت نفسك في حبها وبكيت دارها ورسمها. والمعنى في الآية: أن الكافرين لا تغني (9) عنهم الأولاد ولا الأموال، بل يهلكون ويعذبون، كما جرى لآل فرعون ومن قبلهم من المكذبين للرسل (10) فيما جاؤوا (11) به من آيات الله وحججه. { [كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم] (12) والله شديد العقاب} أي: شديد الأخذ أليم العذاب، لا يمتنع منه أحد، ولا يفوته شيء بل هو الفعال لما يريد، الذي [قد] (13) غلب كل شيء وذل له كل شيء، لا إله غيره ولا رب سواه.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٢/١٦) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٥/٢٣٤) ↗التحرير والتنوير
52] كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب (52) كدأب خبر مبتدأ محذوف، وهو حذف تابع للاستعمال في مثله، فإن العرب إذا تحدثوا عن شيء ثم أتوا بخبر دون مبتدإ علم أن المبتدأ محذوف، فقدر بما يدل عليه الكلام السابق. فالتقدير هنا: دأبهم كدأب آل فرعون والذين من قبلهم، أي من الأمم المكذبين برسل ربهم، مثل عاد وثمود. والدأب: العادة والسيرة المألوفة، وقد تقدم مثله في سورة آل عمران. وتقدم وجه تخصيص آل فرعون بالذكر. ولا فرق بين الآيتين إلا اختلاف العبارة، ففي سورة آل عمران [11] كذبوا بآياتنا وهنا كفروا بآيات الله، وهنالك والله شديد العقاب [آل عمران 11] وهنا إن الله قوي شديد العقاب. فأما المخالفة بين كذبوا [آل عمران: 11] وكفروا فلأن قوم فرعون والذين من قبلهم شاركوا المشركين في الكفر بالله وتكذيب رسله، وفي جحد دلالة الآيات على الوحدانية وعلى صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، فذكروا هنا ابتداء بالأفظع من الأمرين فعبر بالكفر بالآيات عن جحد الآيات الدالة على وحدانية الله تعالى، لأن الكفر أصرح في إنكار صفات الله تعالى. وقد عقبت هذه الآية بالتي بعدها، فذكر في التي بعدها التكذيب بالآيات، أي التكذيب بآيات صدق الرسول عليه الصلاة والسلام، وجحد الآيات الدالة على صدقه. فأما في سورة آل عمران [11] فقد ذكر تكذيبهم بالآيات، أي الدالة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، لأن التكذيب متبادر في معنى تكذيب المخبر، لوقوع ذلك عقب ذكر تنزيل القرآن وتصديق من صدق به، وإلحاد من قصد الفتنة بمتشابهه، فعبر عن الذين شابهوهم في تكذيب رسولهم بوصف التكذيب. فأما الإظهار هنا في مقام الإضمار، فاقتضاه أن الكفر كفر بما يرجع إلى صفات الله فأضيفت الآيات إلى اسم الجلالة ليدل على الذات بعنوان الإله الحق وهو الوحدانية.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/٤٣) ↗