البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالموضوعات

سورة الأنفال · الآية ٤٦

﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقول تعالى: { يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة } أي: طائفة من الكفار تقاتلكم. { فاثبتوا } لقتالها، واستعملوا الصبر وحبس النفس على هذه الطاعة الكبيرة، التي عاقبتها العز والنصر. واستعينوا على ذلك بالإكثار من ذكر الله { لعلكم تفلحون } أي: تدركون ما تطلبون من الانتصار على أعدائكم، فالصبر والثبات والإكثار من ذكر الله من أكبر الأسباب للنصر. { وأطيعوا الله ورسوله } في استعمال ما أمرا به، والمشي خلف ذلك في جميع الأحوال. { ولا تنازعوا } تنازعا يوجب تشتت القلوب وتفرقها، { فتفشلوا } أي: تجبنوا { وتذهب ريحكم } أي: تنحل عزائمكم، وتفرق قوتكم، ويرفع ما وعدتم به من النصر على طاعة الله ورسوله. { واصبروا } نفوسكم على طاعة الله { إن الله مع الصابرين } بالعون والنصر والتأييد، واخشعوا لربكم واخضعوا له. { ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئآء الناس ويصدون عن سبيل الله } أي: هذا مقصدهم الذي خرجوا إليه، وهذا الذي أبرزهم من ديارهم لقصد الأشر والبطر في الأرض، وليراهم الناس ويفخروا لديهم. والمقصود الأعظم أنهم خرجوا ليصدوا عن سبيل الله من أراد سلوكه، { والله بما يعملون محيط } فلذلك أخبركم بمقاصدهم، وحذركم أن تشبهوا بهم، فإنه سيعاقبهم على ذلك أشد العقوبة. فليكن قصدكم في خروجكم وجه الله تعالى وإعلاء دين الله، والصد عن الطرق الموصلة إلى سخط الله وعقابه، وجذب الناس إلى سبيل الله القويم الموصل لجنات النعيم. { وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم } حسنها في قلوبهم وخدعهم. { وقال لا غالب لكم اليوم من الناس } فإنكم في عدد وعدد وهيئة لا يقاومكم فيها محمد ومن معه. { وإني جار لكم } من أن يأتيكم أحد ممن تخشون غائلته، لأن إبليس قد تبدى لقريش في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، وكانوا يخافون من بني مدلج لعداوة كانت بينهم. فقال لهم الشيطان: أنا جار لكم، فاطمأنت نفوسهم وأتوا على حرد قادرين. { فلما ترآءت الفئتان } …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

وقال عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاثبتوا واذكروا الله فإن أجلبوا (1) وضجوا (2) فعليكم بالصمت (3) وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا إبراهيم بن هاشم البغوي، حدثنا أمية بن بسطام، حدثنا معتمر بن سليمان، حدثنا ثابت بن زيد، عن رجل، عن زيد بن أرقم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله يحب الصمت عند ثلاث: عند تلاوة القرآن، وعند الزحف، وعند الجنازة" (4) وفي الحديث الآخر المرفوع يقول الله تعالى: "إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو مناجز قرنه (5) أي: لا يشغله ذلك الحال عن ذكري ودعائي واستعانتي. وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة في هذه الآية، قال: افترض (6) الله ذكره عند أشغل ما تكونون (7) عند الضراب بالسيوف. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، حدثنا ابن المبارك، عن ابن جريج، عن عطاء قال: وجب الإنصات والذكر عند الزحف، ثم تلا هذه الآية، قلت: يجهرون بالذكر؟ قال: نعم. وقال أيضا: قرئ على يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أخبرني عبد الله بن عياش (8) عن يزيد بن قوذر، عن كعب الأحبار قال: ما من شيء أحب إلى الله تعالى من قراءة القرآن والذكر، ولولا ذلك ما أمر الناس بالصلاة والقتال، ألا ترون أنه أمر الناس بالذكر عند القتال، فقال: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون} قال الشاعر: ذكرتك والخطى يخطر بيننا %~% وقد نهلت فينا المثقفة السمر وقال عنترة: (9) ولقد ذكرتك والرماح شواجر %~% فينا وبيض الهند تقطر من دمي

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٧١) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

تختلفوا فتفرقوا وتختلف قلوبكم فتفشلوا، يقول: فتضعفوا وتجبنوا {وتذهب ريحكم} [الأنفال: 46] وهذا مثل يقال للرجل إذا كان مقبلا عليه ما يحبه ويسر به: الريح مقبلة عليه، يعني بذلك ما يحبه، ومن ذلك قول عبيد بن الأبرص: [البحر البسيط] كما حميناك يوم النعف من شطب %~% والفضل للقوم من ريح ومن عدد يعني من البأس والكثرة. وإنما يراد به في هذا الموضع: وتذهب قوتكم وبأسكم فتضعفوا، ويدخلكم الوهن والخلل. {واصبروا} [الأعراف: 128] يقول: اصبروا مع نبي الله صلى الله عليه وسلم عند لقاء عدوكم، ولا

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٢١٤) ↗

التحرير والتنوير

وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب ترجع- بضم التاء وفتح الجيم- أي يرجعها، راجع إلى الله، والذي يرجعها هو الله فهو يرجعها إليه. وقرأ البقية ترجع- بفتح التاء وكسر الجيم- أي: ترجع بنفسها إلى الله، ورجوعها هو برجوع أسبابها. [45، 46] يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون (45) وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين (46) لما عرفهم الله بنعمه ودلائل عنايته، وكشف لهم عن سر من أسرار نصره إياهم، وكيف خذل أعداءهم، وصرفهم عن أذاهم، فاستتب لهم النصر مع قلتهم وكثرة أعدائهم، أقبل في هذه الآية على أن يأمرهم بما يهيء لهم النصر في المواقع كلها، ويستدعي عناية الله بهم وتأييده إياهم، فجمع لهم في هذه الآية ما به قوام النصر في الحروب. وهذه الجمل معترضة بين جملة: وإذ يريكموهم [الأنفال: 44] وجملة: وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم [الأنفال: 48] . وافتتحت هذه الوصايا بالنداء اهتماما بها، وجعل طريق تعريف المنادى طريق الموصولية لما تؤذن به الصلة من الاستعداد لامتثال ما يأمرهم به الله تعالى، لأن ذلك أخص صفاتهم تلقاء أوامر الله تعالى، كما قال تعالى: إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا [النور: 51] . واللقاء: أصله مصادفة الشخص ومواجهته، باجتماع في مكان واحد، كما تقدم عند قوله تعالى: فتلقى آدم من ربه كلمات [البقرة: 37] وقوله: واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه في سورة البقرة [223] . وقد غلب إطلاقه على لقاء خاص وهو لقاء القتال، فيرادف القتال والنزال.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/٢٩) ↗