سورة الأنفال · الآية ٣٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا من لطفه تعالى بعباده لا يمنعه كفر العباد ولا استمرارهم في العناد، من أن يدعوهم إلى طريق الرشاد والهدى، وينهاهم عما يهلكهم من أسباب الغي والردى، فقال: { قل للذين كفروا إن ينتهوا } عن كفرهم، وذلك بالإسلام لله وحده لا شريك له. { يغفر لهم ما قد سلف } منهم من الجرائم { وإن يعودوا } إلى كفرهم وعنادهم { فقد مضت سنت الأولين } بإهلاك الأمم المكذبة، فلينتظروا ما حل بالمعاندين، فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون، فهذا خطابه للمكذبين، وأما خطابه للمؤمنين عندما أمرهم بمعاملة الكافرين، فقال: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } أي: شرك وصد عن سبيل الله، ويذعنوا لأحكام الإسلام، { ويكون الدين كله لله } فهذا المقصود من القتال والجهاد لأعداء الدين، أن يدفع شرهم عن الدين، وأن يذب عن دين الله الذي خلق الخلق له، حتى يكون هو العالي على سائر الأديان. { فإن انتهوا } عن ما هم عليه من الظلم { فإن الله بما يعملون بصير } لا تخفى عليه منهم خافية. { وإن تولوا } عن الطاعة وأوضعوا في الإضاعة { فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى } الذي يتولى عباده المؤمنين، ويوصل إليهم مصالحهم، وييسر لهم منافعهم الدينية والدنيوية، { ونعم النصير } الذي ينصرهم، فيدفع عنهم كيد الفجار، وتكالب الأشرار. ومن كان الله مولاه وناصره فلا خوف عليه، ومن كان الله عليه فلا عز له ولا قائمة له.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الأنفال ٣٨–٤٠) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقاتلونكم فقاتلوهم أنتم، كما قال: {وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} [التوبة: 36] ؛ ولهذا قال في هذه الآية: {واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم} أي: لتكن همتكم منبعثة على قتالهم، كما أن همتهم منبعثة على قتالكم، وعلى إخراجهم من بلادهم التي أخرجوكم منها، قصاصا. وقد حكي عن أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، أن أول آية نزلت في القتال بعد الهجرة، {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} الآية [الحج: 39] وهو الأشهر وبه ورد الحديث. وقوله: {ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} أي: قاتلوا في سبيل الله ولا تعتدوا في ذلك ويدخل في ذلك ارتكاب المناهي -كما قاله الحسن البصري -من المثلة، والغلول، وقتل النساء والصبيان والشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال فيهم، والرهبان وأصحاب الصوامع، وتحريق الأشجار وقتل الحيوان لغير مصلحة، كما قال ذلك ابن عباس، وعمر بن عبد العزيز، ومقاتل بن حيان، وغيرهم. ولهذا جاء في صحيح مسلم، عن بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "اغزوا في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا، ولا أصحاب الصوامع". رواه الإمام أحمد (1) . وعن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيوشه قال: "اخرجوا بسم الله، قاتلوا في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع". رواه الإمام أحمد (2) . ولأبي داود، عن أنس مرفوعا، نحوه (3) . وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: وجدت امرأة في بعض مغازي النبي صلى الله عليه وسلم مقتولة، فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل النساء والصبيان (4) . وقال الإمام أحمد: حدثنا مصعب بن سلام، حدثنا الأجلح، عن قيس بن أبي مسلم، عن ربعي ابن حراش، قال: سمعت حذيفة يقول: ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمثالا واحدا، وثلاثة، وخمسة، وسبعة، وتسعة، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
أحد، وتضمحل عبادة الأوثان، والآلهة، والأنداد، وتكون العبادة، والطاعة لله وحده دون غيره من الأصنام، والأوثان؛ كما قال قتادة
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٣/٢٩٩) ↗التحرير والتنوير
لما يفارقوا الكفر بعد فلا يكون المراد بالعود عودهم إلى الكفر بعد أن يسلموا. والسنة العادة المألوفة والسيرة. وقد تقدم في قوله تعالى: قد خلت من قبلكم سنن في آل عمران [137] . ومعنى مضت تقدمت وعرفها الناس. وهذا الخبر تعريض بالوعيد بأنهم سيلقون ما لقيه الأولون، والقرينة على إرادة التعريض بالوعيد أن ظاهر الإخبار بمضي سنة الأولين، وهو من الإخبار بشيء معلوم للمخبرين به، وبهذا الاعتبار حسن تأكيده بقد إذ المراد تأكيد المعنى التعريضي. وبهذا الاعتبار صح وقوع قوله: فقد مضت سنت الأولين جزاء للشرط. ولولا ذلك لما كان بين الشرط وجوابه ملازمة في شيء. والأولون: السابقون المتقدمون في حالة، والمراد هنا الأمم التي سبقت وعرفوا أخبارهم أنهم كذبوا رسل الله فلقوا عذاب الاستيصال مثل عاد وثمود قال تعالى: فهل ينظرون إلا سنت الأولين [فاطر: 43] . ويجوز أن المراد بالأولين أيضا السابقون للمخاطبين من قومهم من أهل مكة الذين استأصلهم السيف يوم بدر، وفي كل أولئك عبرة للحاضرين الباقين، وتهديد بأن يصيروا مصيرهم. [39، 40] وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير (39) وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير (40) عطف على جملة إن الذين كفروا ينفقون أموالهم [الأنفال: 36] الآية، ويجوز أن تكون عطفا على جملة فقد مضت سنت الأولين [الأنفال: 38] فتكون مما يدخل في حكم جواب الشرط. والتقدير: فإن يعودوا فقاتلوهم، كقوله: وإن عدتم عدنا [الإسراء: 8]- وقوله- وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله [التوبة: 3] والضمير عائد إلى مشركي مكة. والفتنة اضطراب أمر الناس ومرجهم، وقد تقدم بيانها غير مرة، منها عند قوله
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٩/٣٤٦) ↗