سورة الأنفال · الآية ١٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بالشجاعة الإيمانية، والقوة في أمره، والسعي في جلب الأسباب المقوية للقلوب والأبدان، ونهاهم عن الفرار إذا التقى الزحفان، فقال: { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا } أي: في صف القتال، وتزاحف الرجال، واقتراب بعضهم من بعض، { فلا تولوهم الأدبار } بل اثبتوا لقتالهم، واصبروا على جلادهم، فإن في ذلك نصرة لدين الله، وقوة لقلوب المؤمنين، وإرهابا للكافرين. { ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء } أي: رجع { بغضب من الله ومأواه } أي: مقره { جهنم وبئس المصير }. وهذا يدل على أن الفرار من الزحف من غير عذر من أكبر الكبائر، كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة وكما نص هنا على وعيده بهذا الوعيد الشديد. ومفهوم الآية: أن المتحرف للقتال، وهو الذي ينحرف من جهة إلى أخرى، ليكون أمكن له في القتال، وأنكى لعدوه، فإنه لا بأس بذلك، لأنه لم يول دبره فارا، وإنما ولى دبره ليستعلي على عدوه، أو يأتيه من محل يصيب فيه غرته، أو ليخدعه بذلك، أو غير ذلك من مقاصد المحاربين، وأن المتحيز إلى فئة تمنعه وتعينه على قتال الكفار، فإن ذلك جائز، فإن كانت الفئة في العسكر، فالأمر في هذا واضح، وإن كانت الفئة في غير محل المعركة كانهزام المسلمين بين يدي الكافرين والتجائهم إلى بلد من بلدان المسلمين أو إلى عسكر آخر من عسكر المسلمين، فقد ورد من آثار الصحابة ما يدل على أن هذا جائز، ولعل هذا يقيد بما إذا ظن المسلمون أن الانهزام أحمد عاقبة، وأبقى عليهم. أما إذا ظنوا غلبتهم للكفار في ثباتهم لقتالهم، فيبعد - في هذه الحال - أن تكون من الأحوال المرخص فيها، لأنه - على هذا - لا يتصور الفرار المنهي عنه، وهذه الآية مطلقة، وسيأتي في آخر السورة تقييدها بالعدد.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الأنفال ١٥–١٦) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى متوعدا على الفرار من الزحف بالنار لمن فعل ذلك: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا} أي: تقاربتم منهم ودنوتم إليهم، {فلا تولوهم الأدبار} أي: تفروا وتتركوا أصحابكم، {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال} أي: يفر بين يدي قرنه مكيدة؛ ليريه أنه [قد] (1) خاف منه فيتبعه، ثم يكر عليه فيقتله، فلا بأس عليه في ذلك. نص عليه سعيد بن جبير، والسدي. وقال الضحاك: أن يتقدم عن أصحابه ليرى غرة من العدو فيصيبها. {أو متحيزا إلى فئة} أي: فر من هاهنا إلى فئة أخرى من المسلمين، يعاونهم ويعاونوه (2) فيجوز له ذلك، حتى [و] (3) لو كان في سرية ففر إلى أميره أو إلى الإمام الأعظم، دخل في هذه الرخصة. قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا زهير، حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، قال: كنت في سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحاص الناس حيصة -وكنت فيمن حاص -فقلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟ ثم قلنا: لو دخلنا المدينة فبتنا؟ ثم قلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كانت لنا توبة وإلا ذهبنا؟ فأتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج فقال: "من القوم؟ " فقلنا: نحن الفرارون. فقال: "لا بل أنتم العكارون، أنا فئتكم، وأنا فئة المسلمين" قال: فأتيناه حتى قبلنا يده. وهكذا رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، من طرق عن يزيد بن أبي زياد (4) وقال الترمذي: حسن لا نعرفه إلا من حديثه. ورواه ابن أبي حاتم، من حديث يزيد بن أبي زياد به. وزاد في آخره: وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {أو متحيزا إلى فئة} قال أهل العلم: معنى قوله: "العكارون" أي: العطافون. وكذلك قال عمر بن الخطاب. رضي الله عنه، في أبي عبيد لما قتل على الجسر بأرض فارس، لكثرة الجيش من ناحية المجوس، فقال عمر: لو انحاز إلي كنت له فئة. هكذا رواه محمد بن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٧٤) ↗التحرير والتنوير
يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار (15) ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير (16) لما ذكر الله المسلمين بما أيدهم يوم بدر بالملائكة والنصر من عنده، وأكرمهم بأن نصرهم على المشركين الذين كانوا أشد منهم وأكثر عددا وعددا، وأعقبه بأن أعلمهم أن ذلك شأنه مع الكافرين به اعترض في خلال ذلك بتحذيرهم من الوهن والقرار، فالجملة معترضة بين جملة: إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم [الأنفال: 12] وبين جملة فلم تقتلوهم [الأنفال: 17] الآية وفي هذا تدريب للمسلمين على الشجاعة والإقدام والثبات عند اللقاء، وهي خطة محمودة عند العرب لم يزدها الإسلام إلا تقوية، قال الحصين بن الحمام: تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد لنفسي ... حياة مثل أن أتقدما وقد قيل: إن هذه الآية نزلت في قتال بدر، ولعل مراد هذا القائل أن حكمها نزل يوم بدر ثم أثبتت في سورة الأنفال النازلة بعد الملحمة، أو أراد أنها نزلت قبل الآيات التي صدرت بها سورة الأنفال ثم رتبت في التلاوة في مكانها هذا، والصحيح أنها نزلت بعد وقعة بدر كما سيأتي. واللقاء غلب استعماله في كلامهم على مناجزة العدو في الحرب. فالجملة استئناف ابتدائي، والمناسبة واضحة، وسيأتي عند قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا في هذه السورة [45] ، وأصل اللقاء أنه الحضور لدى الغير. والزحف أصله مصدر زحف من باب منع، إذا انبعث من مكانه متنقلا على مقعدته يجرر جيله كما يزحف الصبي. ثم أطلق على مشي المقاتل إلى عدوه في ساحة القتال زحف لأنه يدنو إلى العدو باحتراس وترصد فرصة، فكأنه يزحف إليه.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٩/٢٨٦) ↗