البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الأنفال · الآية ١١

﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

أي: اذكروا نعمة الله عليكم، لما قارب التقاؤكم بعدوكم، استغثتم بربكم، وطلبتم منه أن يعينكم وينصركم { فاستجاب لكم } وأغاثكم بعدة أمور: منها: أن الله أمدكم { بألف من الملائكة مردفين } أي: يردف بعضهم بعضا، { وما جعله الله } أي: إنزال الملائكة { إلا بشرى } أي: لتستبشر بذلك نفوسكم، { ولتطمئن به قلوبكم } وإلا فالنصر بيد الله، ليس بكثرة عدد ولا عدد. { إن الله عزيز } لا يغالبه مغالب، بل هو القهار، الذي يخذل من بلغوا من الكثرة وقوة العدد والآلات ما بلغوا. { حكيم } حيث قدر الأمور بأسبابها، ووضع الأشياء مواضعها. ومن نصره واستجابته لدعائكم أن أنزل عليكم نعاسا { يغشيكم } [أي] فيذهب ما في قلوبكم من الخوف والوجل، ويكون { أمنة } لكم وعلامة على النصر والطمأنينة. ومن ذلك: أنه أنزل عليكم من السماء مطرا ليطهركم به من الحدث والخبث، وليطهركم به من وساوس الشيطان ورجزه. { وليربط على قلوبكم } أي: يثبتها فإن ثبات القلب، أصل ثبات البدن، { ويثبت به الأقدام } فإن الأرض كانت سهلة دهسة فلما نزل عليها المطر تلبدت، وثبتت به الأقدام. ومن ذلك: أن الله أوحى إلى الملائكة { أني معكم } بالعون والنصر والتأييد، { فثبتوا الذين آمنوا } أي: ألقوا في قلوبهم، وألهموهم الجراءة على عدوهم، ورغبوهم في الجهاد وفضله. { سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب } الذي هو أعظم جند لكم عليهم، فإن الله إذا ثبت المؤمنين وألقى الرعب في قلوب الكافرين، لم يقدر الكافرون على الثبات لهم، ومنحهم الله أكتافهم. { فاضربوا فوق الأعناق } أي: على الرقاب { واضربوا منهم كل بنان } أي: مفصل. وهذا خطاب، إما للملائكة الذين أوحى الله إليهم أن يثبتوا الذين آمنوا، فيكون في ذلك دليل أنهم باشروا القتال يوم بدر، أو للمؤمنين يشجعهم الله، ويعلمهم كيف يقتلون المشركين، وأنهم لا يرحمونهم، وذلك لأنهم شاقوا الله ورسوله أي: حاربوهما وبارزوهما بالعداوة. { ومن يشاقق الله …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

للمؤمنين عند شدة البأس لتكون قلوبهم آمنة مطمئنة بنصر الله. وهذا من فضل الله ورحمته بهم ونعمه عليهم، وكما قال تعالى: {فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا} [الشرح: 5، 6] ؛ ولهذا [جاء] (1) في الصحيح (2) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان يوم بدر في العريش مع الصديق، رضي الله عنه، وهما يدعوان، أخذت رسول الله سنة من النوم، ثم استيقظ متبسما فقال: "أبشر يا أبا بكر، هذا جبريل على ثناياه النقع" ثم خرج من باب العريش، وهو يتلو قوله تعالى: {سيهزم الجمع ويولون الدبر} [القمر: 45] . وقوله: {وينزل عليكم من السماء ماء} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: نزل النبي صلى الله عليه وسلم -يعني: حين سار إلى بدر -والمسلمون (3) بينهم وبين الماء رملة دعصة (4) وأصاب المسلمين ضعف شديد، وألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ، يوسوس بينهم: تزعمون أنكم أولياء الله تعالى وفيكم رسوله، وقد غلبكم المشركون على الماء، وأنتم تصلون مجنبين! فأمطر الله عليهم مطرا شديدا، فشرب المسلمون وتطهروا، وأذهب الله عنهم رجز الشيطان، وانشف (5) الرمل حين أصابه المطر ومشى الناس عليه والدواب، فساروا إلى القوم وأمد الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بألف من الملائكة، فكان جبريل في خمسمائة مجنبة، وميكائيل في خمسمائة مجنبة. وكذا قال العوفي عن ابن عباس: إن المشركين من قريش لما خرجوا لينصروا العير وليقاتلوا (6) عنها، نزلوا على الماء يوم بدر، فغلبوا المؤمنين عليه. فأصاب المؤمنين الظمأ، فجعلوا يصلون مجنبين محدثين، حتى تعاظموا ذلك في صدورهم، فأنزل الله من السماء ماء حتى سال الوادي، فشرب المؤمنون، وملئوا الأسقية، وسقوا الركاب (7) واغتسلوا من الجنابة، فجعل الله في ذلك طهورا، وثبت الأقدام. وذلك أنه كانت بينهم وبين القوم رملة، فبعث الله المطر عليها، فضربها حتى اشتدت، وثبتت عليها الأقدام. ونحو ذلك روي عن قتادة، والضحاك، والسدي. وقد روي عن …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

واضربوا منهم كل بنان} [الأنفال: 12] يقول تعالى ذكره: ولتطمئن به قلوبكم إذ يغشيكم النعاس. ويعني بقوله: {يغشيكم النعاس} [الأنفال: 11] يلقي عليكم النعاس، {أمنة} [آل عمران: 154] يقول: أمانا من الله لكم من عدوكم أن يغلبكم، وكذلك النعاس في الحرب أمنة من الله عز وجل حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، PageEndV11P060 عن عبد الله، قال: «النعاس في القتال أمنة من الله عز وجل، وفي الصلاة من الشيطان» . حدثني الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا الثوري، في قوله: يغشاكم النعاس أمنة منه، عن عاصم، عن أبي رزين، عن عبد الله، بنحوه قال: قال عبد الله: فذكر مثله. حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن عبد الله بنحوه. والأمنة: مصدر من قول القائل: أمنت من كذا أمنة وأمانا وأمنا، وكل ذلك بمعنى واحد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٥٩) ↗

التحرير والتنوير

بشرى عن أن يعلق به لكم إذ كانت البشرى للنبيء صلى الله عليه وسلم ومن لم يترددوا من المسلمين، وقد تقدم ذلك في آل عمران. ثانيها: تقديم المجرور هنا في قوله: به قلوبكم وهو يفيد الاختصاص، فيكون المعنى: ولتطمئن به قلوبكم لا بغيره، وفي هذا الاختصاص تعريض بما اعتراهم من الوجل من الطائفة ذات الشوكة وقناعتهم بغنم العروض التي كانت مع العير، فعرض لهم بأنهم لم يتفهموا مراد الرسول صلى الله عليه وسلم، حين استشارهم، وأخبرهم بأن العير سلكت طريق الساحل فكان ذلك كافيا في أن يعلموا أن الطائفة الموعود بها تمحضت أنها طائفة النفير، وكان الشأن أن يظنوا بوعد الله أكمل الأحوال، فلما أراد الله تسكين روعهم، وعدهم بنصرة الملائكة علما بأنه لا يطمئن قلوبهم إلا ذلك، وجعل الفخر: التقديم هنا لمجرد الاهتمام بذلك الوعد، وذلك من وجوه التقديم لكنه وجه تأخيره في آل عمران بما هو غير مقبول. ثالثها: أنه قال في سورة آل عمران [126] العزيز الحكيم فصاغ الصفتين العليتين في صيغة النعت، وجعلهما في هذه الآية في صيغة الخبر المؤكد، إذ قال: إن الله عزيز حكيم فنزل المخاطبين منزلة من يتردد في أنه تعالى موصوف بهاتين الصفتين: وهما العزة، المقتضية أنه إذا وعد بالنصر لم يعجزه شيء، والحكمة، فما يصدر من جانبه غوص الأفهام في تبين مقتضاءه، فكيف لا يهتدون إلى أن الله لما وعدهم الظفر بإحدى الطائفتين وقد فاتتهم العير أن ذلك آيل إلى الوعد بالظفر بالنفير. وجملة: إن الله عزيز حكيم مستأنفة استينافا ابتدائيا جعلت كالإخبار بما ليس بمعلوم لهم. [11] إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام (11) لقد أبدع نظم الآيات في التنقل من قصة إلى أخرى من دلائل عناية الله

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٩/٢٧٧) ↗