البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة النازعات · الآية ٣٣

﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقول تعالى مبينا دليلا واضحا لمنكري البعث ومستبعدي إعادة الله للأجساد: { ءأنتم } أيها البشر { أشد خلقا أم السمآء } ذات الجرم العظيم، والخلق القوي، والارتفاع الباهر { بناها } الله، { رفع سمكها } أي: جرمها وصورتها، { فسواها } بإحكام وإتقان يحير العقول، ويذهل الألباب، { وأغطش ليلها } أي: أظلمه، فعمت الظلمة [جميع] أرجاء السماء، فأظلم وجه الأرض، { وأخرج ضحاها } أي: أظهر فيه النور العظيم، حين أتى بالشمس، فامتد الناس في مصالح دينهم ودنياهم. { والأرض بعد ذلك } أي: بعد خلق السماء { دحاها } أي: أودع فيها منافعها. وفسر ذلك بقوله: { أخرج منها مآءها ومرعاها * والجبال أرساها } أي: ثبتها في الأرض. فدحي الأرض بعد خلق السماء، كما هو نص هذه الآيات [الكريمة]. وأما خلق نفس الأرض، فمتقدم على خلق السماء كما قال تعالى: قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين [فصلت: 9] إلى أن قال: ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا طآئعين [فصلت: 11]. فالذي خلق السماوات العظام وما فيها من الأنوار والأجرام، والأرض الكثيفة الغبراء، وما فيها من ضروريات الخلق ومنافعهم، لا بد أن يبعث الخلق المكلفين، فيجازيهم على أعمالهم، فمن أحسن فله الحسنى ومن أساء فلا يلومن إلا نفسه، ولهذا ذكر بعد هذا القيام الجزاء، فقال: { فإذا جآءت الطآمة الكبرى * يوم يتذكر الإنسان... }.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النازعات ٢٧–٣٣) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

يقول تعالى محتجا على منكري البعث في إعادة الخلق بعد بدئه: {أأنتم} أيها الناس {أشد خلقا أم السماء} ؟ يعني: بل السماء أشد خلقا منكم، كما قال تعالى: {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس} [غافر: 57] ، وقال: {أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم (1) } [يس: 81] ، فقوله: {بناها} فسره بقوله: {رفع سمكها فسواها} أي: جعلها عالية البناء، بعيدة الفناء، مستوية الأرجاء، مكللة بالكواكب في الليلة الظلماء. وقوله: {وأغطش ليلها وأخرج ضحاها} أي: جعل ليلها مظلما أسود حالكا، ونهارها مضيئا مشرقا نيرا واضحا. قال ابن عباس: أغطش ليلها: أظلمه. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وجماعة كثيرون. {وأخرج ضحاها} أي: أنار نهارها. وقوله: {والأرض بعد ذلك دحاها} فسره بقوله: {أخرج منها ماءها ومرعاها} وقد تقدم في سورة "حم السجدة" (2) أن الأرض خلقت قبل السماء، ولكن إنما دحيت بعد خلق السماء، بمعنى أنه أخرج ما كان فيها بالقوة إلى الفعل. وهذا معنى قول ابن عباس، وغير واحد، واختاره ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي، حدثنا عبيد الله-يعني ابن عمرو-عن زيد بن أبي أنيسة، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {دحاها} ودحيها أن أخرج منها الماء والمرعى، وشقق [فيها] (3) الأنهار، وجعل فيها الجبال والرمال والسبل والآكام، فذلك قوله: {والأرض بعد ذلك دحاها} وقد تقدم تقرير ذلك هنالك. وقوله: {والجبال أرساها} أي: قررها وأثبتها وأكدها في أماكنها، وهو الحكيم العليم، الرءوف بخلقه الرحيم. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا العوام بن حوشب، عن سليمان بن أبي سليمان، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لما خلق الله الأرض جعلت تميد، فخلق الجبال فألقاها عليها، فاستقرت فتعجبت الملائكة من خلق الجبال فقالت: يا رب، فهل من

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٣١٦) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٩٧) ↗

التحرير والتنوير

والبعدية ظاهرها: تأخر زمان حصول الفعل، وهذه الآية أظهر في الدلالة على أن الأرض خلقت بعد السماوات وهو قول قتادة ومقاتل والسدي، وهو الذي تؤيده أدلة علم الهيئة. وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى: هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات في سورة البقرة [29] ، وما ورد من الآيات مما ظاهره كظاهر آية سورة البقرة تأويله واضح. ويجوز أن تكون البعدية مجازا في نزول رتبة ما أضيف إليه بعد عن رتبة ما ذكر قبله كقوله تعالى: عتل بعد ذلك زنيم [القلم: 13] . وجملة أخرج منها ماءها ومرعاها بدل اشتمال من جملة دحاها لأن المقصد من دحوها بمقتضى ما يكمل تيسير الانتفاع بها. ولا يصح جعل جملة أخرج منها ماءها إلى آخرها بيانا لجملة دحاها لاختلاف معنى الفعلين. والمرعى: مفعل من رعى يرعى، وهو هنا مصدر ميمي أطلق على المفعول كالخلق بمعنى المخلوق، أي أخرج منها ما يرعى. والرعي: حقيقته تناول الماشية الكلأ والحشيش والقصيل. فالاقتصار على المرعى اكتفاء عن ذكر ما تخرجه الأرض من الثمار والحبوب لأن ذكر المرعى يدل على لطف الله بالعجماوات فيعرف منه أن اللطف بالإنسان أحرى بدلالة فحوى الخطاب، والقرينة على الاكتفاء قوله بعده متاعا لكم ولأنعامكم [النازعات: 33] . وقد دل بذكر الماء والمرعى على جميع ما تخرجه الأرض قوتا للناس وللحيوان حتى ما تعالج به الأطعمة من حطب للطبخ فإنه مما تنبت الأرض، وحتى الملح فإنه من الماء الذي على الأرض. ونصب والجبال يجوز أن يكون على طريقة نصب والأرض بعد ذلك دحاها ويجوز أن يكون عطفا على ماءها ومرعاها ويكون المعنى: وأخرج منها جبالها، فتكون (ال) عوضا عن المضاف إليه مثل فإن الجنة هي المأوى [النازعات: 41] أي مأوى من خاف مقام ربه فإن الجبال قطع من الأرض ناتئة على وجه الأرض.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٨٧) ↗