سورة النازعات · الآية ١٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذه الإقسامات بالملائكة الكرام، وأفعالهم الدالة على كمال انقيادهم لأمر الله، وإسراعهم في تنفيذ أمره، يحتمل أن المقسم عليه، الجزاء والبعث، بدليل الإتيان بأحوال القيامة بعد ذلك، ويحتمل أن المقسم عليه والمقسم به متحدان، وأنه أقسم على الملائكة، لأن الإيمان بهم أحد أركان الإيمان الستة، ولأن في ذكر أفعالهم هنا ما يتضمن الجزاء الذي تتولاه الملائكة عند الموت وقبله وبعده، فقال: { والنازعات غرقا }: وهم الملائكة التي تنزع الأرواح بقوة، وتغرق في نزعها حتى تخرج الروح، فتجازى بعملها. { والناشطات نشطا }: وهم الملائكة أيضا، تجتذب الأرواح بقوة ونشاط، أو أن النزع يكون لأرواح المؤمنين، والنشط لأرواح الكفار. { والسابحات } أي: المترددات في الهواء صعودا ونزولا { سبحا } { فالسابقات } لغيرها { سبقا } فتبادر لأمر الله، وتسبق الشياطين في إيصال الوحي إلى رسل الله حتى لا تسترقه. { فالمدبرات أمرا } الملائكة، الذين وكلهم الله أن يدبروا كثيرا من أمور العالم العلوي والسفلي، من الأمطار، والنبات، والأشجار، والرياح، والبحار، والأجنة، والحيوانات، والجنة، والنار [وغير ذلك] { يوم ترجف الراجفة } وهي قيام الساعة، { تتبعها الرادفة } أي: الرجفة الأخرى التي تردفها وتأتي تلوها، { قلوب يومئذ واجفة } أي: موجفة ومنزعجة من شدة ما ترى وتسمع. { أبصارها خاشعة } أي: ذليلة حقيرة، قد ملك قلوبهم الخوف، وأذهل أفئدتهم الفزع، وغلب عليهم التأسف [واستولت عليهم] الحسرة. يقولون أي: الكفار في الدنيا، على وجه التكذيب: { أإذا كنا عظاما نخرة } أي: بالية فتاتا. { قالوا تلك إذا كرة خاسرة } أي: استبعدوا أن يبعثهم الله ويعيدهم بعدما كانوا عظاما نخرة، جهلا [منهم] بقدرة الله، وتجرؤا عليه. قال الله في بيان سهولة هذا الأمر عليه: { فإنما هي زجرة واحدة } ينفخ فيها في الصور. فإذا الخلائق كلهم { بالساهرة } أي: على وجه الأرض، قيام ينظرون، فيجمعهم الله …
أكمل القراءة في الكتاب ↗التحرير والتنوير
والمراد: قلوب المشركين الذين كانوا يجحدون البعث فإنهم إذا قاموا فعلموا أن ما وعدهم الرسول صلى الله عليه وسلم به حق توقعوا ما كان يحذرهم منه من عقاب إنكار البعث والشرك وغير ذلك من أحوالهم. فأما قلوب المؤمنين فإن فيها اطمئنانا متفاوتا بحسب تفاوتهم في التقوى. والخوف يومئذ وإن كان لا يخلو منه أحد إلا أن أشده خوف الذين يوقنون بسوء المصير، ويعلمون أنهم كانوا ضالين في الحياة الدنيا. والواجفة: المضطربة من الخوف، يقال: وجف كضرف وجفا ووجيفا، ووجوفا، إذا اضطرب. وواجفة خبر قلوب وجملة أبصارها خاشعة خبر ثان عن قلوب وقد زاد المراد من الوجيف بيانا قوله أبصارها خاشعة، أي أبصار أصحاب القلوب. والخشوع حقيقته: الخضوع والتذلل، وهو هيئة للإنسان، ووصف الأبصار به مجاز في الانخفاض والنظر من طرف خفي من شدة الهلع والخوف من فظيع ما تشاهده من سوء المعاملة قال تعالى: خشعا أبصارهم في سورة اقتربت الساعة [7] . ومثله قوله تعالى: ووجوه يومئذ باسرة [القيامة: 24] . وإضافة (أبصار) إلى ضمير القلوب لأدنى ملابسة لأن الأبصار لأصحاب القلوب وكلاهما من جوارح الأجساد مثل قوله: إلا عشية أو ضحاها [النازعات: 46] . [10، 11] يقولون أإنا لمردودون في الحافرة (10) أإذا كنا عظاما نخرة (11) استئناف إما ابتدائي بعد جملة القسم وجوابه، لإفادة أن هؤلاء هم الذين سيكونون أصحاب القلوب الواجفة والأبصار الخاشعة يوم ترجف الراجفة. وإما استئناف بياني لأن القسم وما بعده من الوعيد يثير سؤالا في نفس
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٦٨) ↗