سورة النبأ · الآية ٣٣
التفسير
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقوله: {جزاء من ربك عطاء حسابا} أي: هذا الذي ذكرناه جازاهم الله به وأعطاهموه، بفضله ومنه وإحسانه ورحمته؛ {عطاء حسابا} أي: كافيا وافرا شاملا كثيرا؛ تقول العرب: "أعطاني فأحسبني" أي: كفاني. ومنه "حسبي الله"، أي: الله كافي. يخبر تعالى عن عظمته وجلاله، وأنه رب السموات والأرض وما فيهما وما بينهما، وأنه الرحمن الذي شملت رحمته كل شيء. وقوله: {لا يملكون منه خطابا} أي: لا يقدر أحد على ابتداء مخاطبته إلا بإذنه، كقوله: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} [البقرة: 255] ، وكقوله: {يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه} [هود: 105] وقوله: {يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون} اختلف المفسرون في المراد بالروح هاهنا، ما هو؟ على أقوال: أحدها: رواه العوفي، عن ابن عباس: أنهم أرواح بني آدم. الثاني: هم بنو آدم. قاله الحسن، وقتادة، وقال قتادة: هذا (1) مما كان ابن عباس يكتمه. الثالث: أنهم خلق من خلق الله، على صور بني آدم، وليسوا بملائكة ولا ببشر، وهم يأكلون ويشربون. قاله ابن عباس، ومجاهد، وأبو صالح والأعمش. الرابع: هو جبريل. قاله الشعبي، وسعيد بن جبير، والضحاك. ويستشهد لهذا القول بقوله: {نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين} [الشعراء: 193، 194] وقال مقاتل بن حيان: الروح: أشرف الملائكة، وأقرب إلى الرب عز وجل، وصاحب الوحي. والخامس: أنه القرآن. قاله ابن زيد، كقوله: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا} الآية [الشورى: 52] . والسادس: أنه ملك من الملائكة بقدر جميع المخلوقات؛ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: قوله: {يوم يقوم الروح} قال: هو ملك عظيم من أعظم الملائكة خلقا. وقال ابن جرير: حدثني محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا رواد (2) بن الجراح، عن أبي
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٣٠٩) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٣٧) ↗التحرير والتنوير
ينتظرهم عذاب آخر أشد، فكان ذلك حزنا فوق حزن، فهذا منوال هذا النظم وهو مؤذن بشدة الغضب. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص وأبي برزة الأسلمي وأبي هريرة: أن هذه الآية أشد ما نزل في أهل النار، وقد أسند هذا إلى النبيء صلى الله عليه وسلم من حديث عن أبي برزة الأسلمي. قال: «سألت النبيء صلى الله عليه وسلم عن أشد آية في كتاب الله على أهل النار؟ فقال: قول الله تعالى: فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا وفي سنده جسر بن فرقد وهو ضعيف جدا. وفي «ابن عطية» : أن أبا هريرة رواه عن النبيء صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر ابن عطية سنده، وتعدد طرقه يكسبه قوة. [31- 36] إن للمتقين مفازا (31) حدائق وأعنابا (32) وكواعب أترابا (33) وكأسا دهاقا (34) لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا (35) جزاء من ربك عطاء حسابا (36) جرى هذا الانتقال على عادة القرآن في تعقيب الإنذار للمنذرين بتبشير من هم أهل للتبشير. فانتقل من ترهيب الكافرين بما سيلاقونه إلى ترغيب المتقين فيما أعد لهم في الآخرة من كرامة ومن سلامة مما وقع فيه أهل الشرك. فالجملة متصلة بجملة إن جهنم كانت مرصادا للطاغين مآبا [النبأ: 21- 22] وهي مستأنفة استئنافا ابتدائيا بمناسبة مقتضي الانتقال. وافتتاحها بحرف إن للدلالة على الاهتمام بالخبر لئلا يشك فيه أحد. والمقصود من المتقين المؤمنون الذين آمنوا بالنبيء صلى الله عليه وسلم واتبعوا ما أمرهم به واجتنبوا ما نهاهم عنه لأنهم المقصود من مقابلتهم بالطاغين المشركين. والمفاز: مكان الفوز وهو الظفر بالخير ونيل المطلوب. ويجوز أن يكون مصدرا ميميا بمعنى الفوز، وتنوينه للتعظيم.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٤٣) ↗