سورة النبأ · الآية ٢٨
التفسير
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قالوا: أربعون يوما؟ قال: "أبيت". قالوا: أربعون شهرا؟ قال: "أبيت". قالوا: أربعون سنة؟ قال: "أبيت". قال: "ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل، ليس من الإنسان شيء إلا يبلى، إلا عظما واحدا، وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة" (1) . {وفتحت السماء فكانت أبوابا} أي: طرقا ومسالك لنزول الملائكة، {وسيرت الجبال فكانت سرابا} كقوله: {وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب} [النمل:88] وكقوله: {وتكون الجبال كالعهن المنفوش} [القارعة:5] . وقال هاهنا: {فكانت سرابا} أي: يخيل إلى الناظر أنها شيء، وليست بشيء، بعد هذا تذهب بالكلية، فلا عين ولا أثر، كما قال: {ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا} [طه:105 -107] وقال: {ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة} [الكهف:47] . وقوله: {إن جهنم كانت مرصادا} أي: مرصدة معدة، {للطاغين} وهم: المردة العصاة المخالفون للرسل، {مآبا} أي: مرجعا ومنقلبا ومصيرا ونزلا. وقال الحسن، وقتادة في قوله: {إن جهنم كانت مرصادا} يعني: أنه لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز بالنار، فإن كان معه جواز نجا، وإلا احتبس. وقال سفيان الثوري: عليها ثلاث قناطر. وقوله: {لابثين فيها أحقابا} أي: ماكثين فيها أحقابا، وهي جمع "حقب"، وهو: المدة من الزمان. وقد اختلفوا في مقداره. فقال ابن جرير، عن ابن حميد، عن مهران، عن سفيان الثوري، عن عمار الدهني، عن سالم بن أبي الجعد قال: قال علي بن أبي طالب لهلال الهجري: ما تجدون الحقب في كتاب الله المنزل؟ قال: نجده ثمانين سنة، كل سنة اثنا عشر شهرا، كل شهر ثلاثون يوما كل يوم ألف سنة (2) . وهكذا روي عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وابن عباس، وسعيد بن جبير، وعمرو بن ميمون، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، والضحاك. وعن الحسن والسدي أيضا: سبعون سنة كذلك. وعن عبد الله بن عمرو: الحقب أربعون سنة، كل يوم منها …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
وأقوالهم الرديئة التي كانوا يعملونها في الدنيا، وهو مصدر من قول القائل: وافق هذا العقاب هذا العلم وفاقا PageEndV24P033 وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٣٢) ↗التحرير والتنوير
مرصادا أمر مقدر لها كما تقدم في قوله: إن يوم الفصل كان ميقاتا [النبأ: 17] . وفيه إيماء إلى سعة علم الله تعالى حيث أعد في أزله عقابا للطاغين. ومآبا: مكان الأوب وهو الرجوع، أطلق على المقر والمسكن إطلاقا أصله كناية ثم شاع استعماله فصار اسما للموضع الذي يستقر به المرء. ونصب مآبا على الحال من جهنم أو على أنه خبر ثان لفعل كانت أو على أنه بدل اشتمال من مرصادا لأن الرصد يشتمل على أشياء مقصودة منها أن يكونوا صائرين إلى جهنم. وللطاغين متعلق ب مآبا قدم عليه لإدخال الروع على المشركين الذين بشركهم طغوا على الله، وهذا أحسن كما علمت آنفا. ولك أن تجعله متعلقا ب مرصادا أو متنازعا فيه بين مرصادا ومآبا كما علمت آنفا. والطغيان: تجاوز الحد في عدم الاكتراث بحق الغير والكبر، والتعريف فيه للعهد فالمراد به المشركون المخاطبون بقوله: فتأتون أفواجا [النبأ: 18] فهو إظهار في مقام الإضمار لقصد الإيماء إلى سبب جعل جهنم لهم لأن الشرك أقصى الطغيان إذ المشركون بالله أعرضوا عن عبادته ومتكبرون على رسوله صلى الله عليه وسلم حيث أنفوا من قبول دعوته وهم المقصود من معظم ما في هذه السورة كما يصرح به قوله: إنهم كانوا لا يرجون حسابا وكذبوا بآياتنا كذابا [النبأ: 27، 28] . هذا وإن المسلمين المستخفين بحقوق الله، أو المعتدين على الناس بغير حق، واحتقارا لا لمجرد غلبة الشهوة لهم حظ من هذا الوعيد بمقدار اقترابهم من حال أهل الكفر. واللابث: المقيم بالمكان. وانتصب لابثين على الحال من الطاغين. وقرأه الجمهور لابثين على صيغة جمع لابث. وقرأه حمزة وروح عن يعقوب لبثين على صيغة جمع (لبث) من أمثلة المبالغة مثل حذر على خلاف فيه، أو من الصفة المشبهة فتقتضي أن اللبث شأنه كالذي يجثم في مكان لا ينفك عنه. وأحقاب: جمع حقب بضمتين، وهو زمن طويل نحو الثمانين سنة، وتقدم في قوله: أو أمضي حقبا في سورة الكهف
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٣٦) ↗