سورة النبأ · الآية ٢٥
التفسير
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قالوا: أربعون يوما؟ قال: "أبيت". قالوا: أربعون شهرا؟ قال: "أبيت". قالوا: أربعون سنة؟ قال: "أبيت". قال: "ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل، ليس من الإنسان شيء إلا يبلى، إلا عظما واحدا، وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة" (1) . {وفتحت السماء فكانت أبوابا} أي: طرقا ومسالك لنزول الملائكة، {وسيرت الجبال فكانت سرابا} كقوله: {وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب} [النمل:88] وكقوله: {وتكون الجبال كالعهن المنفوش} [القارعة:5] . وقال هاهنا: {فكانت سرابا} أي: يخيل إلى الناظر أنها شيء، وليست بشيء، بعد هذا تذهب بالكلية، فلا عين ولا أثر، كما قال: {ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا} [طه:105 -107] وقال: {ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة} [الكهف:47] . وقوله: {إن جهنم كانت مرصادا} أي: مرصدة معدة، {للطاغين} وهم: المردة العصاة المخالفون للرسل، {مآبا} أي: مرجعا ومنقلبا ومصيرا ونزلا. وقال الحسن، وقتادة في قوله: {إن جهنم كانت مرصادا} يعني: أنه لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز بالنار، فإن كان معه جواز نجا، وإلا احتبس. وقال سفيان الثوري: عليها ثلاث قناطر. وقوله: {لابثين فيها أحقابا} أي: ماكثين فيها أحقابا، وهي جمع "حقب"، وهو: المدة من الزمان. وقد اختلفوا في مقداره. فقال ابن جرير، عن ابن حميد، عن مهران، عن سفيان الثوري، عن عمار الدهني، عن سالم بن أبي الجعد قال: قال علي بن أبي طالب لهلال الهجري: ما تجدون الحقب في كتاب الله المنزل؟ قال: نجده ثمانين سنة، كل سنة اثنا عشر شهرا، كل شهر ثلاثون يوما كل يوم ألف سنة (2) . وهكذا روي عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وابن عباس، وسعيد بن جبير، وعمرو بن ميمون، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، والضحاك. وعن الحسن والسدي أيضا: سبعون سنة كذلك. وعن عبد الله بن عمرو: الحقب أربعون سنة، كل يوم منها …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
من المصدقين بها. ومعنى الكلام: إن جهنم كانت ذات ارتقاب، ترقب من يجتازها وترصدهم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٢٠) ↗التحرير والتنوير
وجمعه هنا مراد به الطول العظيم لأن أكثر استعمال الحقب والأحقاب أن يكون في حيث يراد توالي الأزمان ويبين هذا الآيات الأخرى الدالة على خلود المشركين، فجاءت هذه الآية على المعروف الشائع في الكلام كناية به عن الدوام دون انتهاء. وليس فيه دلالة على أن لهذا اللبث نهاية حتى يحتاج إلى دعوى نسخ ذلك بآيات الخلود وهو وهم لأن الأخبار لا تنسخ، أو يحتاج إلى جعل الآية لعصاة المؤمنين، فإن ذلك ليس من شأن القرآن المكي الأول إذ قد كان المؤمنون أيامئذ صالحين مخلصين مجدين في أعمالهم. [24- 26] 26] لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا (24) إلا حميما وغساقا (25) جزاء وفاقا (26) هذه الجملة يجوز أن تكون حالا ثانية من (الطاغين) [النبأ: 22] أو حالا أولى من الضمير في لابثين [النبأ: 23] وأن تكون خبرا ثالثا: ل كانت مرصادا [النبأ: 21] . وضمير فيها على هذه الوجوه عائد إلى جهنم [النبأ: 21] . ويجوز أن تكون صفة ل أحقابا [النبأ: 23] ، أي لا يذوقون في تلك الأحقاب بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا. فضمير فيها على هذا الوجه عائد إلى الأحقاب. وحقيقة الذوق: إدراك طعم الطعام والشراب. ويطلق على الإحساس بغير الطعوم إطلاقا مجازيا. وشاع في كلامهم، يقال: ذاق الألم، وعلى وجدان النفس كقوله تعالى: ليذوق وبال أمره [المائدة: 95] . وقد استعمل هنا في معنييه حيث نصب بردا وشرابا والبرد: ضد الحر، وهو تنفيس للذين عذابهم الحر، أي لا يغاثون بنسيم بارد، والبرد ألذ ما يطلبه المحرور. وعن مجاهد والسدي وأبي عبيدة ونفر قليل تفسير البرد بالنوم وأنشدوا شاهدين غير واضحين، وأيا ما كان فحمل الآية عليه تكلف لا داعي إليه، وعطف ولا شرابا يناكده. والشراب: ما يشرب والمراد به الماء الذي يزيل العطش. والحميم: الماء الشديد الحرارة.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٣٧) ↗