سورة النبأ · الآية ٢٣
التفسير
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… أنها شيء، وليست بشيء، بعد هذا تذهب بالكلية، فلا عين ولا أثر، كما قال: {ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا} [طه:105 -107] وقال: {ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة} [الكهف:47] . وقوله: {إن جهنم كانت مرصادا} أي: مرصدة معدة، {للطاغين} وهم: المردة العصاة المخالفون للرسل، {مآبا} أي: مرجعا ومنقلبا ومصيرا ونزلا. وقال الحسن، وقتادة في قوله: {إن جهنم كانت مرصادا} يعني: أنه لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز بالنار، فإن كان معه جواز نجا، وإلا احتبس. وقال سفيان الثوري: عليها ثلاث قناطر. وقوله: {لابثين فيها أحقابا} أي: ماكثين فيها أحقابا، وهي جمع "حقب"، وهو: المدة من الزمان. وقد اختلفوا في مقداره. فقال ابن جرير، عن ابن حميد، عن مهران، عن سفيان الثوري، عن عمار الدهني، عن سالم بن أبي الجعد قال: قال علي بن أبي طالب لهلال الهجري: ما تجدون الحقب في كتاب الله المنزل؟ قال: نجده ثمانين سنة، كل سنة اثنا عشر شهرا، كل شهر ثلاثون يوما كل يوم ألف سنة (2) . وهكذا روي عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وابن عباس، وسعيد بن جبير، وعمرو بن ميمون، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، والضحاك. وعن الحسن والسدي أيضا: سبعون سنة كذلك. وعن عبد الله بن عمرو: الحقب أربعون سنة، كل يوم منها كألف سنة مما تعدون. رواهما ابن أبي حاتم. وقال بشير (3) بن كعب: ذكر لي أن الحقب الواحد ثلاثمائة سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوما (4) ، كل يوم منها كألف سنة. رواه ابن جرير (5) ، وابن أبي حاتم. ثم قال ابن أبي حاتم: ذكر عن عمر بن علي بن أبي بكر الأسفذني (6) : حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {لابثين فيها أحقابا}
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٣٠٥) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
من المصدقين بها. ومعنى الكلام: إن جهنم كانت ذات ارتقاب، ترقب من يجتازها وترصدهم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٢٠) ↗التحرير والتنوير
والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا في سورة النور [39] . [21- 23] 23] إن جهنم كانت مرصادا (21) للطاغين مآبا (22) لابثين فيها أحقابا (23) يجوز أن تكون جملة إن جهنم كانت مرصادا في موضع خبر ثان ل إن من قوله: إن يوم الفصل كان ميقاتا [النبأ: 17] والتقدير: إن يوم الفصل إن جهنم كانت مرصادا فيه للطاغين، والعائد محذوف دل عليه قوله: مرصادا أي مرصادا فيه، أي في ذلك اليوم لأن معنى المرصاد مقترب من معنى الميقات إذ كلاهما محدد لجزاء الطاغين. ودخول حرف (إن) في خبر (إن) يفيد تأكيدا على التأكيد الذي أفاده حرف التأكيد الداخل على قوله: يوم الفصل على حد قول جرير: إن الخليفة إن الله سربله ... سربال ملك به تزجى الخواتيم ومنه قوله تعالى: إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة كما تقدم في سورة الحج [17] ، وتكون الجملة من تمام ما خوطبوا به بقوله: يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا [النبأ: 18] . والتعبير ب «الطاغين» إظهار في مقام الإضمار للتسجيل عليهم بوصف الطغيان لأن مقتضى الظاهر أن يقول: «لكم مئابا» . ويجوز أن تكون مستأنفة استئنافا بيانيا عن جملة إن يوم الفصل كان ميقاتا [النبأ: 17] وما لحق بها لأن ذلك مما يثير في نفوس السامعين تطلب ماذا سيكون بعد تلك الأهوال فأجيب بمضمون إن جهنم كانت مرصادا الآية. وعليه فليس في قوله: للطاغين تخريج على خلاف مقتضى الظاهر. وابتدئ بذكر جهنم لأن المقام مقام تهديد إذ ابتدئت السورة بذكر تكذيب المشركين بالبعث ولما سنذكره من ترتيب نظم هذه الجمل.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٣٤) ↗