سورة المرسلات · الآية ٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أقسم تعالى على البعث والجزاء بالأعمال، بالمرسلات عرفا، وهي الملائكة التي يرسلها الله تعالى بشؤونه القدرية وتدبير العالم، وبشئونه الشرعية ووحيه إلى رسله. و { عرفا } حال من المرسلات أي: أرسلت بالعرف والحكمة والمصلحة، لا بالنكر والعبث. { فالعاصفات عصفا } وهي [أيضا] الملائكة التي يرسلها الله تعالى، وصفها بالمبادرة لأمره، وسرعة تنفيذ أوامره، كالريح العاصف، أو: أن العاصفات، الرياح الشديدة، التي يسرع هبوبها. { والناشرات نشرا } يحتمل أنها الملائكة، تنشر ما دبرت على نشره، أو أنها السحاب التي ينشر بها الله الأرض، فيحييها بعد موتها. { فالملقيت ذكرا } هي الملائكة، تلقي أشرف الأوامر، وهو الذكر الذي يرحم الله به عباده، ويذكرهم فيه منافعهم ومصالحهم، تلقيه إلى الرسل، { عذرا أو نذرا } أي: إعذارا وإنذارا للناس، تنذر الناس ما أمامهم من المخاوف، وتقطع معذرتهم، فلا يكون لهم حجة على الله. { إنما توعدون } من البعث والجزاء على الأعمال { لوقع } أي: متحتم وقوعه، من غير شك ولا ارتياب. فإذا وقع حصل من التغير للعالم والأهوال الشديدة ما يزعج القلوب، وتشتد له الكروب، فتنطمس النجوم أي: تتناثر وتزول عن أماكنها وتنسف الجبال، فتكون كالهباء المنثور، وتكون هي والأرض قاعا صفصفا، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، وذلك اليوم هو اليوم الذي أقتت فيه الرسل، وأجلت للحكم بينها وبين أممها، ولهذا قال: { لأي يوم أجلت } استفهام للتعظيم والتفخيم والتهويل. ثم أجاب بقوله: { ليوم الفصل } [أي:] بين الخلائق، بعضهم لبعض، وحساب كل منهم منفردا، ثم توعد المكذب بهذا اليوم، فقال: { ويل يومئذ للمكذبين } أي: يا حسرتهم، وشدة عذابهم، وسوء منقلبهم، أخبرهم الله، وأقسم لهم، فلم يصدقوه، فاستحقوا العقوبة البليغة.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: المرسلات ١–١٥) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… الرياح، كما قاله ابن مسعود ومن تابعه. وممن قال ذلك في العاصفات أيضا: علي بن أبي طالب (2) ، والسدي، وتوقف في {والناشرات نشرا} هل هي الملائكة أو الريح؟ كما تقدم. وعن أبي صالح: أن الناشرات نشرا: المطر. والأظهر أن: "المرسلات" هي الرياح، كما قال تعالى: {وأرسلنا الرياح لواقح} [الحجر: 22] ، وقال تعالى: {وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته} [الأعراف: 57] وهكذا العاصفات هي: الرياح، يقال: عصفت الريح إذا هبت بتصويت، وكذا الناشرات هي: الرياح التي تنشر السحاب في آفاق السماء، كما يشاء الرب عز وجل. وقوله: {فالفارقات فرقا فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا} يعني: الملائكة قاله ابن مسعود، وابن عباس، ومسروق، ومجاهد، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي، والثوري. ولا خلاف هاهنا؛ فإنها تنزل بأمر الله على الرسل، تفرق بين الحق والباطل، والهدى والغي، والحلال والحرام، وتلقي إلى الرسل وحيا فيه إعذار إلى الخلق، وإنذار لهم عقاب الله إن خالفوا أمره. وقوله: {إنما توعدون لواقع} هذا هو المقسم عليه بهذه الأقسام، أي: ما وعدتم به من قيام الساعة، والنفخ في الصور، وبعث الأجساد وجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، ومجازاة كل عامل بعمله، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، إن هذا كله {لواقع} أي: لكائن لا محالة. ثم قال: {فإذا النجوم طمست} أي: ذهب ضوؤها، كقوله: {وإذا النجوم انكدرت} [التكوير: 2] وكقوله: {وإذا الكواكب انتثرت} [الانفطار: 2] . {وإذا السماء فرجت} أي: انفطرت وانشقت، وتدلت أرجاؤها، ووهت أطرافها. {وإذا الجبال نسفت} أي: ذهب بها، فلا يبقى لها عين ولا أثر، كقوله: {ويسألونك عن
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٢٩٧) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الرياح.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٥٨٠) ↗التحرير والتنوير
الحقيقي مثل تمييز أهل الجنة عن أهل النار يوم الحساب، وتمييز الأمم المعذبة في الدنيا عن الذين نجاهم الله من العذاب، مثل قوم نوح عن نوح، وعاد عن هود، وقوم لوط عن لوط وأهله عدا امرأته، وصالح للفرق المجازي، وهو أنهم يأتون بالوحي الذي يفرق بين الحق والباطل، وبين الإيمان والكفر. وإن جعل وصفا للرياح فهو من آثار النشر، أي فرقها جماعات السحب على البلاد. ولتفرع الفرق بمعنييه عن النشر بمعانيه عطف فالفارقات على الناشرات بالفاء. وأكد بالمفعول المطلق كما أكد ما قبله بقوله: عصفا ونشرا، وتنوينه كذلك. والملقيات: الملائكة الذين يبلغون الوحي وهو الذكر. والإلقاء مستعار لتبليغ الذكر من العالم العلوي إلى أهل الأرض بتشبيهه بإلقاء شيء من اليد إلى الأرض. وإلقاء الذكر تبليغ المواعظ إلى الرسل ليبلغوها إلى الناس وهذا الإلقاء متفرع على الفرق لأنهم يخصون كل ذكر بمن هو محتاج إليه، فذكر الكفار بالتهديد والوعيد بالعذاب، وذكر المؤمنين بالثناء والوعد بالنعيم. وهذا معنى عذرا أو نذرا. فالعذر: الإعلام بقبول إيمان المؤمنين بعد الكفر، وتوبة التائبين بعد الذنب. والنذر: اسم مصدر أنذر، إذا حذر. وعذرا قرأه الجمهور بسكون الذال، وقرأه روح عن يعقوب بضمها على الاتباع لحركة العين. وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر ويعقوب نذرا بضم الذال وهو الغالب فيه. وقرأه أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف بإسكان الذال على
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/٤٢٢) ↗