سورة المرسلات · الآية ٣٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: هذا اليوم العظيم الشديد على المكذبين، لا ينطقون فيه من الخوف والوجل الشديد، { ولا يؤذن لهم فيعتذرون } أي: لا تقبل معذرتهم، ولو اعتذروا: فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون [الروم: 57]. { هذا يوم الفصل جمعنكم والأولين } لنفصل بينكم، ونحكم بين الخلائق، { فإن كان لكم كيد } تقدرون على الخروج من ملكي، وتنجون به من عذابي، { فكيدون } أي: ليس لكم قدرة ولا سلطان، كما قال تعالى: يمعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموت والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان [الرحمن: 33]. ففي ذلك اليوم، تبطل حيل الظالمين، ويضمحل مكرهم وكيدهم، ويستسلمون لعذاب الله، ويبين لهم كذبهم في تكذيبهم { ويل يومئذ للمكذبين }.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: المرسلات ٣٥–٤٠) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… وفوق ذلك، فنرفعه للشتاء، فنسميه القصر، {كأنه جمالة صفر} حبال السفن، تجمع حتى تكون كأوساط الرجال (2) ، {ويل يومئذ للمكذبين} ثم قال تعالى: {هذا يوم لا ينطقون} أي: لا يتكلمون. {ولا يؤذن لهم فيعتذرون} أي: لا يقدرون على الكلام، ولا يؤذن لهم فيه ليعتذروا، بل قد قامت عليهم الحجة، ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون. وعرصات القيامة حالات، والرب تعالى يخبر عن هذه الحالة تارة، وعن هذه الحالة تارة؛ ليدل على شدة الأهوال والزلازل يومئذ. ولهذا يقول بعد كل فصل من هذا الكلام: {ويل يومئذ للمكذبين} وقوله: {هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين فإن كان لكم كيد فكيدون} وهذه مخاطبة من الخالق لعباده يقول لهم: {هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين} يعني: أنه جمعهم بقدرته في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر. وقوله: {فإن كان لكم كيد فكيدون} تهديد شديد ووعيد أكيد، أي: إن قدرتم على أن تتخلصوا من قبضتي، وتنجوا من حكمي فافعلوا، فإنكم لا تقدرون على ذلك، كما قال تعالى {يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان} [الرحمن: 33] ، وقال تعالى: {ولا تضرونه شيئا} [هود: 57] وفي الحديث: "يا عبادي، إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني". وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن المنذر الطريقي الأودي، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا حصين بن عبد الرحمن، عن (3) حسان بن أبي المخارق، عن أبي عبد الله الجدلي قال: أتيت بيت المقدس، فإذا عبادة بن الصامت، وعبد الله بن عمرو، وكعب الأحبار يتحدثون في بيت المقدس، فقال عبادة: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين بصعيد واحد، ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي، ويقول الله: {هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين فإن كان لكم كيد فكيدون} اليوم لا ينجو مني جبار عنيد، ولا شيطان مريد. فقال عبد الله بن عمرو (4) : فإنا نحدث يومئذ أنه يخرج …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
وعقابه. {ولا يؤذن لهم فيعتذرون} [المرسلات: 36] مما اجترموا في الدنيا من الذنوب PageEndV23P610 فإن قال قائل: وكيف قيل: {هذا يوم لا ينطقون} [المرسلات: 35] وقد علمت بخبر الله عنهم أنهم يقولون: {ربنا أخرجنا منها} [المؤمنون: 107] وأنهم يقولون: {ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} [غافر: 11] في نظائر ذلك مما أخبر الله ورسوله عنهم أنهم يقولونه؟ قيل: إن ذلك في بعض الأحوال دون بعض.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٦٠٩) ↗التحرير والتنوير
تلك الآيات وعن أمثالها هو أنه يجب التنبه إلى مسألة الوحدات في تحقق التناقض. [37] 37] ويل يومئذ للمكذبين (37) تكرير لتهديد المشركين متصل بقوله: هذا يوم لا ينطقون [المرسلات: 35] الآية على أول الوجهين في موقع ذلك، أو هو وارد لمناسبة قوله: هذا يوم لا ينطقون على ثاني الوجهين المذكورين فيه فيكون تكريرا لنظيره الواقع بعد قوله: انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون [المرسلات: 29] إلى قوله: صفر [المرسلات: 33] اقتضى تكريره عقبه أن جملة هذا يوم لا ينطقون إلخ تتضمن حالة من أحوالهم يوم الحشر لم يسبق ذكرها فكان تكرير ويل يومئذ للمكذبين بعدها لوجود مقتضي تكرير الوعيد للسامعين. [38- 39] هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين (38) فإن كان لكم كيد فكيدون (39) تكرير لتوبيخهم بعد جملة انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون [المرسلات: 29] شيع به القول الصادر بطردهم وتحقيرهم، فإن المطرود يشيع بالتوبيخ، فهو مما يقال لهم يومئذ، ولم تعطف بالواو لأنها وقعت موقع التذييل للطرد، وذلك من مقتضيات الفصل سواء كان التكرير بإعادة اللفظ والمعنى، أم كان بإعادة المعنى والغرض. والإشارة إلى المشهد الذي يشاهدونه من حضور الناس ومعدات العرض والحساب لفصل القضاء بالجزاء. والإخبار عن اسم الإشارة بأنه يوم الفصل باعتبار أنهم يتصورون ما كانوا يسمعون في الدنيا من محاجة عليهم لإثبات يوم يكون فيه الفصل وكانوا ينكرون ذلك اليوم وما يتعذرون بما يقع فيه، فصارت صورة ذلك اليوم حاضرة في تصورهم دون إيمانهم به، فكانوا الآن متهيئين لأن يوقنوا بأن هذا هو اليوم الذي كانوا يوعدون بحلوله، وقد عرف ذلك اليوم من قبل بأنه يوم الفصل [المرسلات: 13] ، أي القضاء وقد رأوا أهبة القضاء.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/٤٤١) ↗