سورة المرسلات · الآية ٣٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا من الويل الذي أعد [للمجرمين] للمكذبين، أن يقال لهم يوم القيامة: { انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون } ثم فسر ذلك بقوله: { انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب } أي: إلى ظل نار جهنم، التي تتمايز في خلاله ثلاث شعب أي: قطع من النار أي: تتعاوره وتتناوبه وتجتمع به. { لا ظليل } ذلك الظل أي: لا راحة فيه ولا طمأنينة، { ولا يغني } من مكث فيه { من اللهب } بل اللهب قد أحاط به، يمنة ويسرة ومن كل جانب، كما قال تعالى: لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل [الزمر: 16]. لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين [الأعراف: 41]. ثم ذكر عظم شرر النار، الدال على عظمها وفظاعتها وسوء منظرها، فقال: { إنها ترمي بشرر كالقصر * كأنه جملت صفر } وهي السود التي تضرب إلى لون فيه صفرة، وهذا يدل على أن النار مظلمة، لهبها وجمرها وشررها، وأنها سوداء، كريهة المرأى، شديدة الحرارة، نسأل الله العافية منها [من الأعمال المقربة منها]. { ويل يومئذ للمكذبين }
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: المرسلات ٢٩–٣٤) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
أعني ابن عباس-: {جمالة صفر} قطع نحاس (1) . وقال البخاري: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى، أخبرنا سفيان، عن عبد الرحمن بن عابس قال: سمعت ابن عباس: {إنها ترمي بشرر كالقصر} قال: كنا نعمد إلى الخشبة ثلاثة أذرع وفوق ذلك، فنرفعه للشتاء، فنسميه القصر، {كأنه جمالة صفر} حبال السفن، تجمع حتى تكون كأوساط الرجال (2) ، {ويل يومئذ للمكذبين} ثم قال تعالى: {هذا يوم لا ينطقون} أي: لا يتكلمون. {ولا يؤذن لهم فيعتذرون} أي: لا يقدرون على الكلام، ولا يؤذن لهم فيه ليعتذروا، بل قد قامت عليهم الحجة، ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون. وعرصات القيامة حالات، والرب تعالى يخبر عن هذه الحالة تارة، وعن هذه الحالة تارة؛ ليدل على شدة الأهوال والزلازل يومئذ. ولهذا يقول بعد كل فصل من هذا الكلام: {ويل يومئذ للمكذبين} وقوله: {هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين فإن كان لكم كيد فكيدون} وهذه مخاطبة من الخالق لعباده يقول لهم: {هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين} يعني: أنه جمعهم بقدرته في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر. وقوله: {فإن كان لكم كيد فكيدون} تهديد شديد ووعيد أكيد، أي: إن قدرتم على أن تتخلصوا من قبضتي، وتنجوا من حكمي فافعلوا، فإنكم لا تقدرون على ذلك، كما قال تعالى {يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان} [الرحمن: 33] ، وقال تعالى: {ولا تضرونه شيئا} [هود: 57] وفي الحديث: "يا عبادي، إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني". وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن المنذر الطريقي الأودي، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا حصين بن عبد الرحمن، عن (3) حسان بن أبي المخارق، عن أبي عبد الله الجدلي قال: أتيت بيت المقدس، فإذا عبادة بن الصامت، وعبد الله بن عمرو، وكعب الأحبار يتحدثون في بيت المقدس، فقال عبادة: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين بصعيد …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
{انطلقوا إلى ما كنتم به} [المرسلات: 29] في الدنيا {تكذبون} [المؤمنون: 105] من عذاب الله لأهل الكفر به. {انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب} [المرسلات: 30] يعني تعالى ذكره: إلى ظل دخان ذي ثلاث شعب {لا ظليل} [المرسلات: 31] ، وذلك أنه يرتفع من وقودها الدخان فيما ذكر، فإذا تصاعد تفرق شعبا ثلاثا، فذلك قوله: {ذي ثلاث شعب} [المرسلات: 30] . حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {إلى ظل ذي ثلاث شعب} [المرسلات: 30] قال: دخان جهنم حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، {ظل ذي ثلاث شعب} [المرسلات: 30] قال: هو كقوله: {نارا أحاط بهم سرادقها} [الكهف: 29] PageEndV23P601 قال: والسرادق: دخان النار، فأحاط بهم سرادقها، ثم تفرق، فكان ثلاث شعب، فقال: انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب: شعبة ههنا، وشعبة ههنا، وشعبة ههنا {لا ظليل ولا يغني من اللهب} [المرسلات: 31]
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٦٠٠) ↗التحرير والتنوير
فوصف الدخان بأنه ذو ثلاث شعب لأنه يكون كذلك يوم القيامة. وقد قيل في سبب ذلك: إن شعبة منه عن اليمين وشعبة عن اليسار وشعبة من فوق، قال الفخر: «وأقول هذا غير مستبعد لأن الغضب عن يمينه والشهوة عن شماله والقوة الشيطانية في دماغه، ومنبع جميع الآفات الصادرة عن الإنسان في عقائده وفي أعماله ليس إلا هذه الثلاثة، ويمكن أن يقال هاهنا ثلاث درجات وهي: الحس، والخيال، والوهم. وهي مانعة للروح من الاستنارة بأنوار عالم القدس» اه. والظليل: القوي في ظلاله، اشتق له وصف من اسمه لإفادة كماله فيما يراد منه مثل: ليل أليل، وشعر شاعر، أي ليس هو مثل ظل المؤمنين قال تعالى: وندخلهم ظلا ظليلا [النساء: 57] . وفي هذا تحسير لهم وهو في معنى قوله تعالى: وظل من يحموم لا بارد ولا كريم [الواقعة: 43، 44] . وجر ظليل على النعت ل ظل، وأقحمت لا فصارت من جملة الوصف ولا يظهر فيها إعراب كما تقدم في قوله تعالى: إنها بقرة لا فارض ولا بكر [البقرة: 68] وشأن لا إذا أدخلت في الوصف أن تكرر فلذلك أعيدت في قوله: ولا يغني من اللهب. والإغناء: جعل الغير غنيا، أي غير محتاج في ذلك الغرض، وتعديته ب (من) على معنى البدلية أو لتضمينه معنى: يبعد، ومثله قوله تعالى: وما أغني عنكم من الله من شيء [يوسف: 67] . وبذلك سلب عن هذا الظل خصائص الظلال لأن شأن الظل أن ينفس عن الذي يأوي إليه ألم الحر. [32- 33] إنها ترمي بشرر كالقصر (32) كأنه جمالت صفر (33) يجوز أن يكون هذا من تمام ما يقال للمكذبين الذين قيل لهم: انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون [المرسلات: 29] ، فإنهم بعد أن حصل لهم اليأس مما ينفس عنهم ما يلقون من العذاب، وقيل لهم: انطلقوا إلى دخان جهنم ربما شاهدوا ساعتئذ جهنم تقذف
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/٤٣٦) ↗