سورة المرسلات · الآية ٢٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: أما امتننا عليكم وأنعمنا، بتسخير الأرض لمصالحكم، فجعلناها { كفاتا } لكم، { أحيآء } في الدور، { وأموتا } في القبور، فكما أن الدور والقصور من نعم الله على عباده ومنته، فكذلك القبور، رحمة في حقهم، وسترا لهم، عن كون أجسادهم بادية للسباع وغيرها. { وجعلنا فيها رواسي } أي: جبالا ترسي الأرض، لئلا تميد بأهلها، فثبتها الله بالجبال الراسيات الشامخات أي: الطوال العراض، { وأسقيناكم مآء فراتا } أي: عذبا زلالا قال تعالى: أفرءيتم المآء الذي تشربون * ءأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون * لو نشآء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون [الواقعة: 68-70]. { ويل يومئذ للمكذبين } مع ما أراهم الله من النعم، التي انفرد الله بها، واختصهم بها، فقابلوها بالتكذيب.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: المرسلات ٢٥–٢٨) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
{فجعلناه في قرار مكين} يعني: جمعناه في الرحم، وهو قرار الماء من الرجل والمرأة، والرحم معد لذلك، حافظ لما أودع فيه من الماء. وقوله: {إلى قدر معلوم} يعني: إلى مدة معينة من ستة أشهر أو تسعة أشهر؛ ولهذا قال: {فقدرنا فنعم القادرون ويل يومئذ للمكذبين} ثم قال: {ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا} قال ابن عباس: {كفاتا} كنا. وقال مجاهد: يكفت الميت فلا يرى منه شيء. وقال الشعبي: بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم. وكذا قال مجاهد وقتادة. {وجعلنا فيها رواسي شامخات} يعني: الجبال، أرسى بها الأرض لئلا تميد وتضطرب. {وأسقيناكم ماء فراتا} عذبا زلالا من السحاب، أو مما أنبعه الله من عيون الأرض. {ويل يومئذ للمكذبين} أي: ويل لمن تأمل هذه المخلوقات الدالة على عظمة خالقها، ثم بعد هذا يستمر على تكذيبه وكفره. يقول تعالى مخاطبا للكفار المكذبين بالمعاد والجزاء والجنة والنار، أنهم يقال لهم يوم القيامة: {انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب} يعني: لهب النار إذا ارتفع وصعد معه دخان، فمن شدته وقوته أن له ثلاث شعب، {لا ظليل ولا يغني من اللهب} أي: ظل الدخان المقابل للهب لا ظليل هو في نفسه، ولا يغني من اللهب، يعني: ولا يقيهم حر اللهب. وقوله: {إنها ترمي بشرر كالقصر} أي: يتطاير الشرر من لهبها كالقصر. قال (1) ابن مسعود: كالحصون. وقال ابن عباس وقتادة، ومجاهد، ومالك عن زيد بن أسلم، وغيرهم: يعني أصول الشجر. {كأنه جمالة صفر} أي: كالإبل السود. قاله مجاهد، والحسن، وقتادة، والضحاك. واختاره ابن جرير. وعن ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير: {جمالة صفر} يعني: حبال السفن. وعنه -
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٢٩٩) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
كان وعاءه. وإنما معنى الكلام: ألم نجعل الأرض كفات أحيائكم وأمواتكم، تكفت أحياءكم في المساكن والمنازل، فتضمهم فيها وتجمعهم، وأمواتكم في بطونها في القبور، فيدفنون فيها. وجائز أن يكون عني بقوله: {كفاتا أحياء وأمواتا} [المرسلات: 25] تكفت أذاهم في حال حياتهم، وجيفهم بعد مماتهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٥٩٦) ↗التحرير والتنوير
والفاء في قوله: فقدرنا للتفريع على قوله: فجعلناه في قرار مكين إلى قدر معلوم، أي جعلناه في الرحم إلى انتهاء أمد الحمل فقدرنا أطوار خلقكم حتى أخرجناكم أطفالا. والفاء في فنعم القادرون للتفريع على (قدرنا) أي تفريع إنشاء ثناء، أي فدل تقديرنا على أننا نعم القادرون، أي كان تقديرنا تقدير أفضل قادر، وهذا تنويه بذلك الخلق العجيب بالقدرة. والقادرون: اسم فاعل من قدر اللازم إذا كان ذا قدرة وبذلك يكون الكلام تأسيسا لا تأكيدا، أي فنعم القادرون على الأشياء. وعلامة الجمع للتعظيم مثل نون (قدرنا) فإن القدرة لما أتت بما هو مقتضى الحكمة كانت قدرة جديرة بالمدح. [24] 24] ويل يومئذ للمكذبين (24) هو نحو ما تقدم في نظيره الموالي هو له. [25- 27] ألم نجعل الأرض كفاتا (25) أحياء وأمواتا (26) وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتا (27) جاء هذا التقرير على سنن سابقيه في عدم العطف لأنه على طريقة التكرير للتوبيخ، وهو تقرير لهم بما أنعم الله به عليهم من خلق الأرض لهم بما فيها مما فيه منافعهم كما قال تعالى: متاعا لكم ولأنعامكم [النازعات: 33] . ومحل الامتنان هو قوله: أحياء وأما قوله: وأمواتا فتتميم وإدماج. وكفات: اسم للشيء الذي يكفت فيه، أي يجمع ويضم فيه، فهو اسم جاء على صيغة الفعال من كفت، إذا جمع، ومنه سمي الوعاء: كفاتا، كما سمي ما يعي الشيء وعاء، وما يضم الشيء: الضمام. وأحياء مفعول كفاتا لأن كفاتا فيه معنى الفعل كأنه قيل كافتة أحياء. وقد يقولون منصوب بفعل مقدر دل عليه كفاتا وكل ذلك متقارب.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/٤٣٢) ↗