سورة الإنسان · الآية ٣١
التفسير
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
الأصبحي، عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان، فقال: "أتدرون ما هذان الكتابان؟ " قال: قلنا: لا إلا أن تخبرنا يا رسول الله قال للذي في يده اليمينى: "هذا كتاب من رب العالمين، بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم -لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا" ثم قال للذي في يساره: "هذا كتاب أهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم -لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا" فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلأي شيء إذا نعمل إن كان هذا أمر قد فرغ منه؟ فقال (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سددوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل الجنة (2) ، وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل النار (3) ، وإن عمل أي عمل" ثم قال بيده فقبضها، ثم قال: "فرغ ربكم عز وجل من العباد" ثم قال باليمنى فنبذ بها فقال: "فريق في الجنة"، ونبذ باليسرى فقال: "فريق في السعير" وهكذا رواه الترمذي والنسائي جميعا، عن قتيبة عن الليث بن سعد وبكر بن مضر، كلاهما عن أبي قبيل، عن شفي بن ماتع (4) الأصبحي، عن عبد الله بن عمرو، به (5) . وقال الترمذي: حسن صحيح غريب. وساقه البغوي في تفسيره من طريق بشر بن بكر (6) ، عن سعيد بن عثمان، عن أبي الزاهرية، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره بنحوه. وعنده زيادات منها: ثم قال: "فريق في الجنة وفريق في السعير، عدل من الله عز وجل" (7) . ورواه (8) ابن أبي حاتم عن أبيه، عن عبد الله بن صالح -كاتب الليث-عن الليث، به. ورواه ابن جرير عن يونس، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن أبي قبيل، عن شفي، عن رجل من الصحابة، فذكره (9) . ثم روي عن يونس، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث وحيوة بن (10) شريح، عن يحيى بن أبي أسيد؛ أن أبا فراس (11) حدثه: أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول: إن الله لما خلق آدم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
مجتمعة على دين واحد {ولكن يدخل من يشاء في رحمته} [الشورى: 8] يقول: لم يفعل ذلك فيجعلهم أمة واحدة، ولكن يدخل من يشاء، من عباده في رحمته، يعني أنه يدخله في رحمته بتوفيقه إياه للدخول في دينه، الذي ابتعث به نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم {والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير} [الشورى: 8] . يقول تعالى ذكره: ولو أراد الله أن يجمع خلقه على هدى، ويجعلهم على ملة واحدة لفعل، و {لجعلهم أمة واحدة} [الشورى: 8] يقول: أهل ملة واحدة، وجماعة مجتمعة على دين واحد {ولكن يدخل من يشاء في رحمته} [الشورى: 8] يقول: لم يفعل ذلك فيجعلهم أمة واحدة، ولكن يدخل من يشاء من عباده في رحمته، يعني أنه يدخله في رحمته بتوفيقه إياه للدخول في دينه، الذي ابتعث به نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم {والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير} [الشورى: 8] يقول: والكافرون بالله ما لهم من ولي يتولاهم يوم القيامة، ولا نصير ينصرهم من عقاب الله حين يعاقبهم، فينقذهم من عذابه، ويقتص لهم ممن عاقبهم، وإنما قيل هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم تسلية له عما كان يناله من الهم بتولية قومه عنه، وأمرا له بترك إدخال المكروه على نفسه من أجل إدبار من أدبر عنه منهم، فلم يستجب لما دعاه إليه من الحق، وإعلاما له أن أمور عباده
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٤٧٢) ↗التحرير والتنوير
مشيئا وعموم الأشخاص يستلزم عموم الأحوال والأزمنة، أي ما تشاءون شيئا في وقت من الأوقات أو في حال من الأحوال. وقد علل ارتباط حصول مشيئتهم بمشيئة الله، بأن الله عليم حكيم، أي عليم بوسائل إيجاد مشيئتهم الخير، حكيم بدقائق ذلك مما لا تبلغ إلى معرفة دقائقه بالكنه عقول الناس، لأن هنالك تصرفات علوية لا يبلغ الناس مبلغ الاطلاع على تفصيلها ولكن حسبهم الاهتداء بآثارها وتزكية أنفسهم للصد عن الإعراض عن التدبر فيها. وما نافية، والاستثناء من عموم الأشياء المشيئة وأحوالها وأزمانها، ولما كان ما بعد أداة الاستثناء حرف مصدر تعين أن المستثنى يقدر مصدرا، أي إلا شيء الله (بمعنى مشيئته) ، وهو صالح لاعتبار المعنى المصدري ولاعتبار الحالة، ولاعتبار الزمان، لأن المصدر صالح لإرادة الثلاثة باختلاف التأويل فإن قدر مضاف كان المعنى: إلا حال مشيئة الله، أو إلا زمن مشيئته، وإن لم يقدر مضاف كان المعنى: لا مشيئة لكم في الحقيقة إلا تبعا لمشيئة الله. وإيثار اجتلاب أن المصدرية من إعجاز القرآن. ويجوز أن يكون فعلا تشاؤن ويشاء الله منزلين منزلة اللازم فلا يقدر لهما مفعولان على طريقة قول البحتري: أن يرى مبصر ويسمع واع ويكون الاستثناء من أحوال، أي وما تحصل مشيئتكم في حال من الأحوال إلا في حال حصول مشيئة الله. وفي هذا كله إشارة إلى دقة كنه مشيئة العبد تجاه مشيئة الله وهو المعنى الذي جمع الأشعري التعبير عنه بالكسب، فقيل فيه «أدق من كسب الأشعري» . ففي الآية تنبيه الناس إلى هذا المعنى الخفي ليرقبوه في أنفسهم فيجدوا آثاره الدالة عليه قائمة متوافرة، ولهذا أطنب وصف هذه المشيئة بالتذييل بقوله: إن الله كان عليما حكيما فهو تذييل أو تعليل لجملة يدخل من يشاء في رحمته [الإنسان: 31] ، أي لأنه واجب له العلم والحكمة فهو أعلم فمن شاء أن يدخله في رحمته ومن شاء أبعده عنها.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/٤١٣) ↗