سورة الإنسان · الآية ٣
التفسير
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقوله: {نبتليه} أي: نختبره، كقوله: {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} [الملك: 2] . {فجعلناه سميعا بصيرا} أي: جعلنا له سمعا وبصرا يتمكن بهما من الطاعة والمعصية. وقوله: {إنا هديناه السبيل} أي: بيناه له ووضحناه وبصرناه به، كقوله: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} [فصلت: 17] ، وكقوله: {وهديناه النجدين} [البلد: 10] ، أي: بينا له طريق الخير وطريق الشر. وهذا قول عكرمة، وعطية، وابن زيد، ومجاهد -في المشهور عنه-والجمهور. وروي عن مجاهد، وأبي صالح، والضحاك، والسدي أنهم قالوا في قوله: {إنا هديناه السبيل} يعني خروجه من الرحم. وهذا قول غريب، والصحيح المشهور الأول. وقوله: {إما شاكرا وإما كفورا} منصوب على الحال من "الهاء" في قوله: {إنا هديناه السبيل} تقديره: فهو في ذلك إما شقي وإما سعيد، كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم، عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل الناس يغدو، فبائع نفسه فموبقها أو معتقها" (1) . وتقدم في سورة "الروم" عند قوله: {فطرة الله التي فطر الناس عليها} [الروم: 30] من رواية جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه، فإذا أعرب عنه لسانه، فإما شاكرا وإما كفورا". وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر، حدثنا عبد الله بن جعفر، عن عثمان بن محمد، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من خارج يخرج إلا ببابه رايتان: راية بيد ملك، وراية بيد شيطان، فإن خرج لما يحب الله اتبعه الملك برايته، فلم يزل تحت راية الملك حتى يرجع إلى بيته. وإن خرج لما يسخط الله اتبعه الشيطان برايته، فلم يزل تحت راية الشيطان، حتى يرجع إلى بيته" (2) . وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن ابن خثيم، عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر بن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة: "أعاذك …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
في معنى الجزاء. وقد يجوز أن تكون {إما} [الأعراف: 35] وإما بمعنى واحد، كما قال: {إما يعذبهم وإما يتوب عليهم} [التوبة: 106] فيكون قوله: {إما شاكرا وإما كفورا} [الإنسان: 3] حالا من الهاء التي في هديناه؛ فيكون معنى الكلام إذا وجه ذلك إلى هذا التأويل: إنا هديناه السبيل، إما شقيا وإما سعيدا. وكان بعض نحوي البصرة يقول ذلك كما قال: {إما العذاب وإما الساعة} [مريم: 75] كأنك لم تذكر إما؛ قال: وإن شئت ابتدأت ما بعدها فرفعته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٥٣٧) ↗التحرير والتنوير
وجيء بجملة إنا هديناه السبيل بيانا لجملة نبتليه تفننا في نظم الكلام. وحقيقة الابتلاء: الاختبار لتعرف حال الشيء وهو هنا كناية عن التكليف بأمر عظيم لأن الأمر العظيم يظهر تفاوت المكلفين به في الوفاء بإقامته. وفرع على خلقه من نطفة أنه جعله سميعا بصيرا، وذلك إشارة إلى ما خلقه الله له من الحواس التي كانت أصل تفكيره وتدبيره، ولذلك جاء وصفه بالسميع البصير بصيغة المبالغة ولم يقل فجعلناه: سامعا مبصرا، لأن سمع الإنسان وبصره أكثر تحصيلا وتمييزا في المسموعات والمبصرات من سمع وبصر الحيوان، فبالسمع يتلقى الشرائع ودعوة الرسل وبالبصر ينظر في أدلة وجود الله وبديع صنعه. وهذا تخلص إلى ما ميز الله به الإنسان من جعله تجاه التكليف واتباع الشرائع وتلك خصيصية الإنسان التي بها ارتكزت مدنيته وانتظمت جامعاته، ولذلك أعقبت هذه الجملة بقوله: إنا هديناه السبيل الآيات. [3] 3] إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا (3) استئناف بياني لبيان ما نشأ عن جملة نبتليه [الإنسان: 2] ولتفصيل جملة فجعلناه سميعا بصيرا [الإنسان: 2] ، وتخلص إلى الوعيد على الكفر والوعد على الشكر. وهداية السبيل: تمثيل لحال المرشد. والسبيل: الطريق الجادة إلى ما فيه النفع بواسطة الرسل إلى العقائد الصحيحة والأعمال الصالحة التي هي سبب فوزه بالنعيم الأبدي، بحال من يدل السائر على الطريق المؤدية إلى مقصده من سيره. وهذا التمثيل ينحل إلى تشبيهات أجزاء الحالة المركبة المشبهة بأجزاء الحالة المشبه بها، فالله تعالى كالهادي، والإنسان يشبه السائر المتحير في الطريق، وأعمال الدين تشبه الطريق، وفوز المتتبع لهدي الله يشبه البلوغ إلى المكان المطلوب. وفي هذا نداء على أن الله أرشد الإنسان إلى الحق وأن بعض الناس أدخلوا على أنفسهم ضلال الاعتقاد ومفاسد الأعمال، فمن برأ نفسه من ذلك فهو الشاكر
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/٣٧٥) ↗