سورة الإنسان · الآية ١٥
التفسير
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… سامع طائع، كما قال تعالى في الآية الأخرى: {وجنى الجنتين دان} [الرحمن: 54] وقال تعالى {قطوفها دانية} [الحاقة: 23] قال (1) مجاهد: {وذللت قطوفها تذليلا} إن قام ارتفعت بقدره، وإن قعد تدلت (2) له حتى ينالها، وإن اضطجع تدلت (3) له حتى ينالها، فذلك قوله: {تذليلا} وقال قتادة: لا يرد أيديهم عنها شوك ولا بعد. وقال مجاهد: أرض الجنة من ورق، وترابها المسك، وأصول شجرها من ذهب وفضة، وأفنانها من اللؤلؤ الرطب والزبرجد والياقوت، والورق والثمر بين ذلك. فمن أكل منها قائما لم يؤذه، ومن أكل منها قاعدا لم يؤذه، ومن أكل منها مضطجعا لم يؤذه. وقوله: {ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب} أي: يطوف عليهم الخدم بأواني الطعام، وهي من فضة، وأكواب الشراب وهي الكيزان التي لا عرى لها ولا خراطيم. وقوله (4) : {قوارير قوارير من فضة} فالأول منصوب بخبر "كان" أي: كانت قوارير. والثاني منصوب إما على البدلية (5) أو تمييز؛ لأنه بينه بقوله: {قوارير من فضة} قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن البصري، وغير واحد: بياض الفضة في صفاء الزجاج، والقوارير لا تكون إلا من زجاج. فهذه الأكواب هي من فضة، وهي مع هذا شفافة يرى ما في باطنها من ظاهرها، وهذا مما لا نظير له في الدنيا. قال ابن المبارك، عن إسماعيل، عن رجل، عن ابن عباس: ليس في الجنة شيء إلا قد أعطيتم في الدنيا شبهه إلا قوارير من فضة. رواه ابن أبي حاتم. وقوله: {قدروها تقديرا} أي: على قدر ريهم، لا تزيد عنه ولا تنقص، بل هي معدة لذلك، مقدرة بحسب ري صاحبها. هذا معنى قول ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأبي صالح، وقتادة، وابن أبزى، وعبد الله بن عبيد الله بن عمير، وقتادة، والشعبي، وابن زيد. وقاله ابن جرير وغير واحد. وهذا أبلغ في الاعتناء والشرف والكرامة. وقال العوفي، عن ابن عباس: {قدروها تقديرا} قدرت للكف. وهكذا قال الربيع بن أنس. وقال الضحاك: على قدر أكف الخدام. وهذا لا ينافي القول الأول، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
العطف به على موضع قوله: {لا يرون فيها شمسا} [الإنسان: 13] لأن موضعه نصب، وذلك أن معناه: متكئين فيها على الأرائك، غير رائين فيها شمسا. والثالث: نصبه على المدح، كأنه قيل: متكئين فيها على الأرائك، ودانية بعد عليهم ظلالها، كما يقال: عند فلان جارية جميلة، وشابة بعد طرية، تضمر مع هذه الواو فعلا ناصبا للشابة، إذا أريد به المدح، ولم يرد به النسق؛ وأنثت دانية لأن الظلال جمع. وذكر أن ذلك في قراءة عبد الله بالتذكير: «ودانيا عليهم ظلالها» وإنما ذكر لأنه فعل متقدم، وهي في قراءة فيما بلغني: «ودان» رفع على الاستئناف.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٥٥٣) ↗التحرير والتنوير
و (التفجير) : فتح الأرض عن الماء أي استنباط الماء الغزير وأطلق هنا على الاستقاء منها بلا حد ولا نضوب فكان كل واحد يفجر لنفسه ينبوعا وهذا من الاستعارة. وأكد فعل يفجرونها تفجيرا ترشيحا للاستعارة. [7] يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا (7) اعتراض بين جملة يشربون من كأس [الإنسان: 5] إلخ وبين جملة ويطاف عليهم بآنية من فضة [الإنسان: 15] إلخ. وهذا الاعتراض استئناف بياني هو جواب عن سؤال من شأن الكلام السابق أن يثيره في نفسه السامع المغتبط بأن ينال مثل ما نالوا من النعيم والكرامة في الآخرة. فيهتم بأن يفعل مثل ما فعلوا، فذكر بعض أعمالهم الصالحة التي هي من آثار الإيمان مع التعريض لهم بالاستزادة منها في الدنيا. والكلام إخبار عنهم صادر في وقت نزول هذه الآيات، بعضه وصف لحالهم في الآخرة وبعضه وصف لبعض حالهم في الدنيا الموجب لنوال ما نالوه في الآخرة، فلا حاجة إلى قول الفراء: إن في الكلام إضمارا وتقديره: كانوا يوفون بالنذر. وليست الجملة حالا من الأبرار [الإنسان: 5] وضميرهم لأن الحال قيد لعاملها فلو جعلت حالا لكانت قيدا ل يشربون [الإنسان: 5] ، وليس وفاؤهم بالنذر بحاصل في وقت شربهم من خمر الجنة بل هو بما أسلفوه في الحياة الدنيا. والوفاء: أداء ما وجب على المؤدي وافيا دون نقص ولا تقصير فيه. والنذر: ما يعتزمه المرء ويعقد عليه نيته، قال عنترة: والناذرين إذا لم ألقهما دمي والمراد به هنا ما عقدوا عليه عزمهم من الإيمان والامتثال وهو ما استحقوا به صفة الأبرار [الإنسان: 5] . ويجوز أن يراد بالنذر ما ينذرونه من فعل الخير المتقرب به إلى الله، أي ينشئون النذور بها ليوجبوها على أنفسهم. وجيء بصيغة المضارع للدلالة على تجدد وفائهم بما عقدوا عليه ضمائرهم من
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/٣٨٢) ↗