سورة الإنسان · الآية ١١
التفسير
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يخبر تعالى عما أرصده للكافرين من خلقه به من السلاسل والأغلال والسعير، وهو اللهب والحريق في نار جهنم، كما قال: {إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون} [غافر: 71، 72] . ولما ذكر ما أعده (1) لهؤلاء الأشقياء من السعير قال بعده: {إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا} وقد علم ما في الكافور من التبريد والرائحة الطيبة، مع ما يضاف إلى ذلك من اللذاذة في الجنة. قال الحسن: برد الكافور في طيب الزنجبيل؛ ولهذا قال: {عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا} أي: هذا الذي مزج لهؤلاء الأبرار من الكافور هو عين يشرب بها المقربون من عباد الله صرفا بلا مزج ويروون بها؛ ولهذا ضمن يشرب "يروى" حتى عداه بالباء، ونصب {عينا} على التمييز. قال بعضهم: هذا الشراب (2) في طيبه كالكافور. وقال بعضهم: هو من عين كافور. وقال بعضهم: يجوز أن يكون منصوبا ب {يشرب} حكى هذه الأقوال الثلاثة ابن جرير. وقوله: {يفجرونها تفجيرا} أي: يتصرفون فيها حيث شاؤوا وأين شاؤوا، من قصورهم ودورهم ومجالسهم ومحالهم. والتفجير هو الإنباع، كما قال تعالى: {وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا} [الإسراء: 90] . وقال: {وفجرنا خلالهما نهرا} [الكهف: 33] . وقال مجاهد: {يفجرونها تفجيرا} يقودونها حيث شاؤوا، وكذا قال عكرمة، وقتادة. وقال الثوري: يصرفونها حيث شاؤوا. وقوله: {يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا} أي: يتعبدون لله فيما أوجبه عليهم من [فعل] (3) الطاعات الواجبة بأصل الشرع، وما أوجبوه على أنفسهم بطريق النذر.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٢٨٧) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٥٤٦) ↗التحرير والتنوير
بين عينيه مشتق من قمطر القاصر إذا اجتمع، أو قمطر المتعدي إذا شد القربة بوكاء ونحوه، ومنه سمي السفط الذي توضع فيه الكتب قمطرا وهو كالمحفظة. وميم قمطرير أصلية فوزنه فعلليل مثل خندريس وزنجبيل، يقال: قمطر للشر، إذا تهيأ له وجمع نفسه. والجمهور جعلوا قمطريرا وصف يوما ومنهم من جعلوه وصف عبوسا أي شديد العبوس. وهذه الآية تعم جميع الأبرار وعلى ذلك التحم نسجها، وقد تلقفها القصاصون والدعاة فوضعوا لها قصصا مختلفة وجاؤوا بأخبار موضوعة وأبيات مصنوعة فمنهم من زعم أن هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب وفاطمة رضي الله عنهما في قصة طويلة ذكرها الثعلبي والنقاش وساقها القرطبي بطولها ثم زيفها. وذكر عن الحكيم الترمذي أنه قال في «نوادر الأصول» : هذا حديث مروق مزيف وأنه يشبه أن يكون من أحاديث أهل السجون. وقيل نزلت في مطعم بن ورقاء الأنصاري، وقيل في رجل غيره من الأنصار، وقد استوفى ذلك كله القرطبي في تفسيره فلا طائل تحت اجتلابه، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله أهل لأن ينزل القرآن فيهم إلا أن هذه الأخبار ضعيفة أو موضوعة. [11- 14] 14] فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا (11) وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا (12) متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا (13) ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا (14) تفريع على قوله: يوفون بالنذر إلى قمطريرا [الإنسان: 7- 10] . وفي هذا التفريع تلوين للحديث عن جزاء الأبرار وأهل الشكور، وهذا برزخ للتخلص إلى عود الكلام على حسن جزائهم أن الله وقاهم شر ذلك اليوم وهو
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/٣٨٧) ↗