سورة القيامة · الآية ٣٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يعظ تعالى عباده، بذكر حال المحتضر عند السياق، وأنه إذا بلغت روحه التراقي، وهي العظام المكتنفة لثغرة النحر، فحينئذ يشتد الكرب، ويطلب كل وسيلة وسبب، يظن أن يحصل به الشفاء والراحة، ولهذا قال: { وقيل من راق } أي: من يرقيه، من الرقية، لأنهم انقطعت آمالهم من الأسباب العادية، فلم يبق إلا الأسباب الإلهية. ولكن القضاء والقدر، إذا حتم وجاء فلا مرد له، { وظن أنه الفراق } للدنيا. { والتفت الساق بالساق } أي: اجتمعت الشدائد والتفت، وعظم الأمر وصعب الكرب، وأريد أن تخرج الروح التي ألفت البدن ولم تزل معه، فتساق إلى الله تعالى، حتى يجازيها بأعمالها، ويقررها بفعالها. فهذا الزجر، [الذي ذكره الله] يسوق القلوب إلى ما فيه نجاتها، ويزجرها عما فيه هلاكها. ولكن المعاند الذي لا تنفع فيه الآيات، لا يزال مستمرا على بغيه وكفره وعناده. { فلا صدق } أي: لا آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره { ولا صلى * ولكن كذب } بالحق في مقابلة التصديق، { وتولى } عن الأمر والنهي، هذا وهو مطمئن قلبه، غير خائف من ربه، بل يذهب { إلى أهله يتمطى } أي: ليس على باله شيء، توعده بقوله: { أولى لك فأولى * ثم أولى لك فأولى } وهذه كلمات وعيد، كررها لتكرير وعيده، ثم ذكر الإنسان بخلقه الأول، فقال: { أيحسب الإنسان أن يترك سدى } أي: معطلا، لا يؤمر ولا ينهى، ولا يثاب ولا يعاقب؟ هذا حسبان باطل، وظن بالله بغير ما يليق بحكمته. { ألم يك نطفة من مني يمنى * ثم كان } بعد المني { علقة } أي: دما، { فخلق } الله منها الحيوان وسواه أي: أتقنه وأحكمه، { فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى * أليس ذلك } الذي خلق الإنسان [وطوره إلى] الأطوار المختلفة { بقادر على أن يحيي الموتى } بلى إنه على كل شيء قدير.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: القيامة ٢٦–٤٠) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
{وقيل من راق} قال: عكرمة، عن ابن عباس: أي من راق يرقي؟ وكذا قال أبو قلابة: {وقيل من راق} أي: من طبيب شاف. وكذا قال قتادة، والضحاك، وابن زيد. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نصر بن علي، حدثنا روح بن المسيب أبو رجاء الكلبي، حدثنا عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس: {وقيل من راق} قال: قيل: من يرقى بروحه: ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ فعلى هذا يكون من كلام الملائكة. وبهذا الإسناد، عن ابن عباس في قوله: {والتفت الساق بالساق} قال: التفت عليه الدنيا والآخرة. وكذا قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {والتفت الساق بالساق} يقول: آخر يوم في الدنيا، وأول يوم من أيام الآخرة، فتلتقي الشدة بالشدة إلا من رحم الله. وقال عكرمة: {والتفت الساق بالساق} الأمر العظيم بالأمر العظيم. وقال مجاهد: بلاء ببلاء. وقال الحسن البصري في قوله: {والتفت الساق بالساق} هما ساقاك إذا التفتا (1) . وفي رواية عنه: ماتت رجلاه فلم تحملاه، وقد كان عليها جوالا. وكذا قال السدي، عن أبي مالك. وفي رواية عن الحسن: هو لفهما في الكفن. وقال الضحاك: {والتفت الساق بالساق} اجتمع عليه أمران: الناس يجهزون جسده، والملائكة يجهزون روحه. وقوله: {إلى ربك يومئذ المساق} أي: المرجع والمآب، وذلك أن الروح ترفع إلى السماوات، فيقول الله عز وجل: ردوا عبدي إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى. كما ورد في حديث البراء الطويل. وقد قال الله تعالى: {وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين} [الأنعام: 61، 62] . وقوله: {فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى} هذا إخبار عن الكافر الذي كان في الدار الدنيا مكذبا للحق بقلبه، متوليا عن العمل بقالبه، فلا خير فيه باطنا ولا ظاهرا، ولهذا قال: {فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى ثم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٥٢٦) ↗التحرير والتنوير
… ألن نجمع عظامه [القيامة: 3] ، أي لا نعيد خلقه ونبعثه للجزاء كما أبلغناهم، وجاء في جانب حكمته بما يشابه الأسلوب السابق فقال: أيحسب الإنسان أن يترك سدى مع زيادة فائدة بما دلت عليه جملة أن يترك سدى، أي لا يحسب أنه يترك غير مرعي بالتكليف كما تترك الإبل، وذلك يقتضي المجازاة. وعن الشافعي: لم يختلف أهل العلم بالقرآن فيما علمت أن السدى الذي لا يؤمر ولا ينهى اه. وقد تبين من هذا أن قوله: أن يترك سدى كناية عن الجزاء لأن التكليف في الحياة الدنيا مقصود منه الجزاء في الآخرة. [37- 40] ألم يك نطفة من مني يمنى (37) ثم كان علقة فخلق فسوى (38) فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى (39) أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى (40) استئناف هو علة وبيان للإنكار المسوق للاستدلال بقوله: أيحسب الإنسان أن يترك [القيامة: 36] الذي جعل تكريرا وتأييدا لمضمون قوله: أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه الآية، أي أن خلق الإنسان من مادة ضعيفة وتدرجه في أطوار كيانه دليل على إثبات القدرة على إنشائه إنشاء ثانيا بعد تفرق أجزائه واضمحلالها، فيتصل معنى الكلام هكذا: أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه ويعد ذلك متعذرا. ألم نبدأ خلقه إذ كوناه نطفة ثم تطور خلقه أطوارا فماذا يعجزنا أن نعيد خلقه ثانيا كذلك، قال تعالى: كما بدأنا أول خلق نعيده [الأنبياء: 104] . وهذه الجمل تمهيد لقوله: أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى. وهذا البيان خاص بأحد معنيي الترك في الآية وهو تركه دون إحياء وأكتفي
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/٣٦٦) ↗