سورة المدثر · الآية ٥٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ كلا } هنا بمعنى: حقا، أو بمعنى " ألا " الاستفتاحية، فأقسم تعالى بالقمر، وبالليل وقت إدباره، والنهار وقت إسفاره، لاشتمال المذكورات على آيات الله العظيمة، الدالة على كمال قدرة الله وحكمته، وسعة سطانه، وعموم رحمته، وإحاطة علمه والمقسم عليه قوله: { إنها } أي: النار { لإحدى الكبر } أي: لإحدى العظائم الطامة والأمور الهامة، فإذا أعلمناكم بها، وكنتم على بصيرة من أمرها، فمن شاء منكم أن يتقدم، فيعمل بما يقربه من ربه، ويدنيه من رضاه، ويزلفه من دار كرامته، أو يتأخر [عما خلق له و] عما يحبه الله [ويرضاه]، فيعمل بالمعاصي، ويتقرب إلى نار جهنم، كما قال تعالى: وقل الحق من ربكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر الآية [الكهف: 29]. { كل نفس بما كسبت } من أعمال السوء وأفعال الشر، { رهينة } بها موثقة بسعيها، قد ألزم عنقها، وغل في رقبتها، واستوجبت به العذاب، { إلا أصحاب اليمين } فإنهم لم يرتهنوا، بل أطلقوا وفرحوا { في جنات يتسآءلون * عن المجرمين } أي: في جنات قد حصل لهم بها جميع مطلوباتهم، وتمت لهم الراحة والطمأنينة، حتى أقبلوا يتساءلون، فأفضت بهم المحادثة، أن سألوا عن المجرمين، أي: حال وصلوا إليها، وهل وجدوا ما وعدهم الله تعالى؟ فقال بعضهم لبعض: " هل أنتم مطلعون عليهم " ، فاطلعوا عليهم في وسط الجحيم يعذبون، فقالوا لهم: { ما سلككم في سقر } أي: أي شيء أدخلكم فيها؟ وبأي: ذنب استحققتموها؟ ف { قالوا لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين } فلا إخلاص للمعبود، [ولا إحسان] ولا نفع للخلق المحتاجين. { وكنا نخوض مع الخآئضين } أي: نخوض بالباطل، ونجادل به الحق، { وكنا نكذب بيوم الدين } هذا آثار الخوض بالباطل، [وهو] التكذيب بالحق، ومن أحق الحق، يوم الدين، الذي هو محل الجزاء على الأعمال، وظهور ملك الله وحكمه العدل لسائر الخلق. فاستمرينا على هذا المذهب الفاسد { حتى أتانا اليقين } أي: الموت، فلما ماتوا على الكفر …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ابن عباس، وهو قول الجمهور. وقال حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران (1) عن ابن عباس: الأسد، بالعربية، ويقال له بالحبشية: قسورة، وبالفارسية: شير (2) وبالنبطية: أويا. {بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة} أي: بل يريد كل واحد من هؤلاء المشركين أن ينزل عليه كتابا كما أنزل على النبي. قاله مجاهد وغيره، كقوله: {وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته} [الأنعام: 124] ، وفي رواية عن قتادة: يريدون أن يؤتوا براءة بغير عمل. فقوله: {كلا بل لا يخافون الآخرة} أي: إنما أفسدهم عدم إيمانهم بها، وتكذيبهم بوقوعها. ثم قال تعالى: {كلا إنه تذكرة} أي: حقا إن القرآن تذكرة، {فمن شاء ذكره وما يذكرون إلا أن يشاء الله} كقوله {وما تشاءون إلا أن يشاء} [الإنسان: 30] . وقوله: {هو أهل التقوى وأهل المغفرة} أي: هو أهل أن يخاف منه، وهو أهل أن يغفر ذنب من تاب إليه وأناب. قاله قتادة. وقال الإمام أحمد: حدثنا زيد (3) بن الحباب، أخبرني سهيل -أخو حزم (4) -حدثنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {هو أهل التقوى وأهل المغفرة} وقال: "قال ربكم: أنا أهل أن أتقى، فلا يجعل معي إله، فمن اتقى أن يجعل معي إلها كان أهلا أن أغفر له". ورواه الترمذي، وابن ماجه من حديث زيد بن الحباب، والنسائي من حديث المعافى بن عمران كلاهما عن سهيل بن عبد الله القطعي، به (5) وقال الترمذي: حسن غريب، وسهيل ليس بالقوي. ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه، عن هدبة بن خالد، عن سهيل، به. وهكذا رواه أبو يعلى، والبزار، والبغوي، وغيرهم، من حديث سهيل القطعي، به. (6) آخر تفسير سورة "المدثر" ولله الحمد والمنة [وحسبنا الله ونعم الوكيل] (7)
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٢٧٤) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ذكرهم به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٤٦٢) ↗التحرير والتنوير
كلا إنه تذكرة (54) فمن شاء ذكره (55) وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة (56) (كلا) ردع ثان مؤكد للردع الذي قبله، أي لا يؤتون صحفا منشورة ولا يوزعون إلا بالقرآن. وجملة إنه تذكرة تعليل للردع عن سؤالهم أن تنزل عليهم صحف منشرة، بأن هذا القرآن تذكرة عظيمة، وهذا كقوله تعالى: وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون [العنكبوت: 50، 51] . فضمير إنه للقرآن، وهو معلوم من المقام، ونظائر ذلك كثيرة في القرآن. وتنكير تذكرة للتعظيم. وقوله: فمن شاء ذكره تفريع على أنه تذكرة ونظيره قوله تعالى: إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا في سورة المزمل [19] . وهذا تعريض بالترغيب في التذكر، أي التذكر طوع مشيئتكم فإن شئتم فتذكروا. والضمير الظاهر في ذكره يجوز أن يعود إلى ما عاد إليه ضمير إنه وهو القرآن فيكون على الحذف والإيصال وأصله: ذكر به. ويجوز أن يعود إلى الله تعالى وإن لم يتقدم لاسمه ذكر في هذه الآيات لأنه مستحضر من المقام على نحو قوله: إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا [المزمل: 19] . وضمير شاء راجع إلى (من) ، أي من أراد أن يتذكر ذكر بالقرآن وهو مثل قوله آنفا لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر [المدثر: 37] وقوله في سورة المزمل [19] فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا. وهو إنذار للناس بأن التذكر بالقرآن يحصل إذا شاؤوا التذكر به. والمشيئة تستدعي التأمل فيما يخلصهم من المؤاخذة على التقصير وهم لا عذر لهم في إهمال ذلك، وقد تقدم في سورة المزمل. وجملة وما يذكرون إلا أن يشاء الله معترضة في آخر الكلام لإفادة تعلمهم بهذه الحقيقة، والواو اعتراضية. والمعنى: أن تذكر من شاءوا أن يتذكروا لا يقع إلا مشروطا بمشيئة الله أن
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/٣٣٢) ↗