سورة المدثر · الآية ٥٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ كلا } هنا بمعنى: حقا، أو بمعنى " ألا " الاستفتاحية، فأقسم تعالى بالقمر، وبالليل وقت إدباره، والنهار وقت إسفاره، لاشتمال المذكورات على آيات الله العظيمة، الدالة على كمال قدرة الله وحكمته، وسعة سطانه، وعموم رحمته، وإحاطة علمه والمقسم عليه قوله: { إنها } أي: النار { لإحدى الكبر } أي: لإحدى العظائم الطامة والأمور الهامة، فإذا أعلمناكم بها، وكنتم على بصيرة من أمرها، فمن شاء منكم أن يتقدم، فيعمل بما يقربه من ربه، ويدنيه من رضاه، ويزلفه من دار كرامته، أو يتأخر [عما خلق له و] عما يحبه الله [ويرضاه]، فيعمل بالمعاصي، ويتقرب إلى نار جهنم، كما قال تعالى: وقل الحق من ربكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر الآية [الكهف: 29]. { كل نفس بما كسبت } من أعمال السوء وأفعال الشر، { رهينة } بها موثقة بسعيها، قد ألزم عنقها، وغل في رقبتها، واستوجبت به العذاب، { إلا أصحاب اليمين } فإنهم لم يرتهنوا، بل أطلقوا وفرحوا { في جنات يتسآءلون * عن المجرمين } أي: في جنات قد حصل لهم بها جميع مطلوباتهم، وتمت لهم الراحة والطمأنينة، حتى أقبلوا يتساءلون، فأفضت بهم المحادثة، أن سألوا عن المجرمين، أي: حال وصلوا إليها، وهل وجدوا ما وعدهم الله تعالى؟ فقال بعضهم لبعض: " هل أنتم مطلعون عليهم " ، فاطلعوا عليهم في وسط الجحيم يعذبون، فقالوا لهم: { ما سلككم في سقر } أي: أي شيء أدخلكم فيها؟ وبأي: ذنب استحققتموها؟ ف { قالوا لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين } فلا إخلاص للمعبود، [ولا إحسان] ولا نفع للخلق المحتاجين. { وكنا نخوض مع الخآئضين } أي: نخوض بالباطل، ونجادل به الحق، { وكنا نكذب بيوم الدين } هذا آثار الخوض بالباطل، [وهو] التكذيب بالحق، ومن أحق الحق، يوم الدين، الذي هو محل الجزاء على الأعمال، وظهور ملك الله وحكمه العدل لسائر الخلق. فاستمرينا على هذا المذهب الفاسد { حتى أتانا اليقين } أي: الموت، فلما ماتوا على الكفر …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ابن عباس، وهو قول الجمهور. وقال حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران (1) عن ابن عباس: الأسد، بالعربية، ويقال له بالحبشية: قسورة، وبالفارسية: شير (2) وبالنبطية: أويا. {بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة} أي: بل يريد كل واحد من هؤلاء المشركين أن ينزل عليه كتابا كما أنزل على النبي. قاله مجاهد وغيره، كقوله: {وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته} [الأنعام: 124] ، وفي رواية عن قتادة: يريدون أن يؤتوا براءة بغير عمل. فقوله: {كلا بل لا يخافون الآخرة} أي: إنما أفسدهم عدم إيمانهم بها، وتكذيبهم بوقوعها. ثم قال تعالى: {كلا إنه تذكرة} أي: حقا إن القرآن تذكرة، {فمن شاء ذكره وما يذكرون إلا أن يشاء الله} كقوله {وما تشاءون إلا أن يشاء} [الإنسان: 30] . وقوله: {هو أهل التقوى وأهل المغفرة} أي: هو أهل أن يخاف منه، وهو أهل أن يغفر ذنب من تاب إليه وأناب. قاله قتادة. وقال الإمام أحمد: حدثنا زيد (3) بن الحباب، أخبرني سهيل -أخو حزم (4) -حدثنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {هو أهل التقوى وأهل المغفرة} وقال: "قال ربكم: أنا أهل أن أتقى، فلا يجعل معي إله، فمن اتقى أن يجعل معي إلها كان أهلا أن أغفر له". ورواه الترمذي، وابن ماجه من حديث زيد بن الحباب، والنسائي من حديث المعافى بن عمران كلاهما عن سهيل بن عبد الله القطعي، به (5) وقال الترمذي: حسن غريب، وسهيل ليس بالقوي. ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه، عن هدبة بن خالد، عن سهيل، به. وهكذا رواه أبو يعلى، والبزار، والبغوي، وغيرهم، من حديث سهيل القطعي، به. (6) آخر تفسير سورة "المدثر" ولله الحمد والمنة [وحسبنا الله ونعم الوكيل] (7)
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٢٧٤) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
قراءة قوله: {مستنفرة} [المدثر: 50] فقرأ ذلك عامة قراء PageEndV23P455 الكوفة والبصرة بكسر الفاء، وفي قراءة بعض المكيين أيضا بمعنى نافرة. والصواب من القول في ذلك عندنا، أنهما قراءتان معروفتان، صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وكان الفراء يقول: الفتح والكسر في ذلك كثيران في كلام العرب؛ وأنشد: أمسك حمارك إنه مستنفر %~% في إثر أحمرة عمدن لغرب
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٤٥٤) ↗التحرير والتنوير
فما لهم عن التذكرة معرضين (49) كأنهم حمر مستنفرة (50) فرت من قسورة (51) تفريع للتعجيب من إصرارهم على الإعراض عن ما فيه تذكرة على قوله: وما هي إلا ذكرى للبشر [المدثر: 31] . وجيء باسم التذكرة الظاهر دون أن يؤتى بضمير نحو: أن يقال: عنها معرضين، لئلا يختص الإنكار والتعجيب بإعراضهم عن تذكرة الإنذار بسقر، بل المقصود التعميم لإعراضهم عن كل تذكرة وأعظمها تذكرة القرآن كما هو المناسب للإعراض قال تعالى: إن هو إلا ذكر للعالمين [التكوير: [27] . وفما لهم استفهام مستعمل في التعجيب من غرابة حالهم بحيث تجدر أن يستفهم عنها المستفهمون وهو مجاز مرسل بعلاقة الملازمة، ولهم خبر عن (ما) الاستفهامية. والتقدير: ما ثبت لهم، ومعرضين حال من ضمير لهم، أي يستفهم عنهم في هذه الحالة العجيبة. وتركيب: ما لك ونحوه، لا يخلو من حال تلحق بضميره مفردة أو جملة نحو ما لك لا تأمنا على يوسف في سورة يوسف [11] . وقوله تعالى: فما لهم لا يؤمنون في سورة الانشقاق [20] . وقوله: ما لكم كيف تحكمون في سورة الصافات [154] وسورة القلم [36] . وعن التذكرة متعلق ب معرضين. وشبهت حالة إعراضهم المتخيلة بحالة فرار حمر نافرة مما ينفرها. والحمر: جمع حمار، وهو الحمار الوحشي، وهو شديد النفار إذا أحس بصوت القانص وهذا من تشبيه المعقول بالمحسوس. وقد كثر وصف النفرة وسرعة السير والهرب بالوحش من حمر أو بقر وحش إذا أحسسن بما يرهبنه كما قال لبيد في تشبيه راحلته في سرعة سيرها بوحشية لحقها الصياد: فتوجست رز الأنيس فراعها ... عن ظهر غيب والأنيس سقامها وقد كثر ذلك في شعر العرب في الجاهلية والإسلام كما في معلقة طرفة، ومعلقة لبيد، ومعلقة الحارث، وفي أراجيز الحجاج ورؤية ابنه وفي شعر ذي الرمة.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/٣٢٩) ↗