البيانابحثاسألالموضوعات

سورة المدثر · الآية ٣٨

﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

{ كلا } هنا بمعنى: حقا، أو بمعنى " ألا " الاستفتاحية، فأقسم تعالى بالقمر، وبالليل وقت إدباره، والنهار وقت إسفاره، لاشتمال المذكورات على آيات الله العظيمة، الدالة على كمال قدرة الله وحكمته، وسعة سطانه، وعموم رحمته، وإحاطة علمه والمقسم عليه قوله: { إنها } أي: النار { لإحدى الكبر } أي: لإحدى العظائم الطامة والأمور الهامة، فإذا أعلمناكم بها، وكنتم على بصيرة من أمرها، فمن شاء منكم أن يتقدم، فيعمل بما يقربه من ربه، ويدنيه من رضاه، ويزلفه من دار كرامته، أو يتأخر [عما خلق له و] عما يحبه الله [ويرضاه]، فيعمل بالمعاصي، ويتقرب إلى نار جهنم، كما قال تعالى: وقل الحق من ربكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر الآية [الكهف: 29]. { كل نفس بما كسبت } من أعمال السوء وأفعال الشر، { رهينة } بها موثقة بسعيها، قد ألزم عنقها، وغل في رقبتها، واستوجبت به العذاب، { إلا أصحاب اليمين } فإنهم لم يرتهنوا، بل أطلقوا وفرحوا { في جنات يتسآءلون * عن المجرمين } أي: في جنات قد حصل لهم بها جميع مطلوباتهم، وتمت لهم الراحة والطمأنينة، حتى أقبلوا يتساءلون، فأفضت بهم المحادثة، أن سألوا عن المجرمين، أي: حال وصلوا إليها، وهل وجدوا ما وعدهم الله تعالى؟ فقال بعضهم لبعض: " هل أنتم مطلعون عليهم " ، فاطلعوا عليهم في وسط الجحيم يعذبون، فقالوا لهم: { ما سلككم في سقر } أي: أي شيء أدخلكم فيها؟ وبأي: ذنب استحققتموها؟ ف { قالوا لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين } فلا إخلاص للمعبود، [ولا إحسان] ولا نفع للخلق المحتاجين. { وكنا نخوض مع الخآئضين } أي: نخوض بالباطل، ونجادل به الحق، { وكنا نكذب بيوم الدين } هذا آثار الخوض بالباطل، [وهو] التكذيب بالحق، ومن أحق الحق، يوم الدين، الذي هو محل الجزاء على الأعمال، وظهور ملك الله وحكمه العدل لسائر الخلق. فاستمرينا على هذا المذهب الفاسد { حتى أتانا اليقين } أي: الموت، فلما ماتوا على الكفر …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

ابن عباس، وهو قول الجمهور. وقال حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران (1) عن ابن عباس: الأسد، بالعربية، ويقال له بالحبشية: قسورة، وبالفارسية: شير (2) وبالنبطية: أويا. {بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة} أي: بل يريد كل واحد من هؤلاء المشركين أن ينزل عليه كتابا كما أنزل على النبي. قاله مجاهد وغيره، كقوله: {وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته} [الأنعام: 124] ، وفي رواية عن قتادة: يريدون أن يؤتوا براءة بغير عمل. فقوله: {كلا بل لا يخافون الآخرة} أي: إنما أفسدهم عدم إيمانهم بها، وتكذيبهم بوقوعها. ثم قال تعالى: {كلا إنه تذكرة} أي: حقا إن القرآن تذكرة، {فمن شاء ذكره وما يذكرون إلا أن يشاء الله} كقوله {وما تشاءون إلا أن يشاء} [الإنسان: 30] . وقوله: {هو أهل التقوى وأهل المغفرة} أي: هو أهل أن يخاف منه، وهو أهل أن يغفر ذنب من تاب إليه وأناب. قاله قتادة. وقال الإمام أحمد: حدثنا زيد (3) بن الحباب، أخبرني سهيل -أخو حزم (4) -حدثنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {هو أهل التقوى وأهل المغفرة} وقال: "قال ربكم: أنا أهل أن أتقى، فلا يجعل معي إله، فمن اتقى أن يجعل معي إلها كان أهلا أن أغفر له". ورواه الترمذي، وابن ماجه من حديث زيد بن الحباب، والنسائي من حديث المعافى بن عمران كلاهما عن سهيل بن عبد الله القطعي، به (5) وقال الترمذي: حسن غريب، وسهيل ليس بالقوي. ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه، عن هدبة بن خالد، عن سهيل، به. وهكذا رواه أبو يعلى، والبزار، والبغوي، وغيرهم، من حديث سهيل القطعي، به. (6) آخر تفسير سورة "المدثر" ولله الحمد والمنة [وحسبنا الله ونعم الوكيل] (7)

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٢٧٤) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

رهينة في جهنم {إلا أصحاب اليمين} [المدثر: 39] فإنهم غير مرتهنين، ولكنهم {في جنات يتساءلون} [المدثر: 40] عن المجرمين. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٤٤٧) ↗

التحرير والتنوير

وفي ضمير منكم التفات من الغيبة إلى الخطاب لأن مقتضى الظاهر أن يقال: لمن شاء منهم، أي من البشر. [38- 48] 48] كل نفس بما كسبت رهينة (38) إلا أصحاب اليمين (39) في جنات يتساءلون (40) عن المجرمين (41) ما سلككم في سقر (42) قالوا لم نك من المصلين (43) ولم نك نطعم المسكين (44) وكنا نخوض مع الخائضين (45) وكنا نكذب بيوم الدين (46) حتى أتانا اليقين (47) فما تنفعهم شفاعة الشافعين (48) استئناف بياني يبين للسامع عقبى الاختيار الذي في قوله: لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر [المدثر: 37] أي كل إنسان رهن بما كسب من التقدم أو التأخر أو غير ذلك فهو على نفسه بصيرة ليكسب ما يفضي به إلى النعيم أو إلى الجحيم. ورهينة: خبر عن كل نفس وهو بمعنى مرهونة. والرهن: الوثاق والحبس ومنه الرهن في الدين، وقد يطلق على الملازمة والمقارنة، ومنه: فرسا رهان، وكلا المعنيين يصح الحمل عليه هنا على اختلاف الحال، وإنما يكون الرهن لتحقيق المطالبة بحق يخشى أن يتفلت منه المحقوق به، فالرهن مشعر بالأخذ بالشدة ومنه رهائن الحرب الذين يأخذهم الغالب من القوم المغلوبين ضمانا لئلا يخبس القوم بشروط الصلح وحتى يعطوا ديات القتلى فيكون الانتقام من الرهائن. وبهذا يكون قوله: كل نفس مرادا به خصوص أنفس المنذرين من البشر فهو من العام المراد به الخصوص بالقرينة، أي قرينة ما تعطيه مادة رهينة من معنى الحبس والأسر. والباء للمصاحبة لا للسببية. وظاهر هذا أنه كلام منصف وليس بخصوص تهديد أهل الشر.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/٣٢٤) ↗