سورة المدثر · الآية ٢٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذه الآيات، نزلت في الوليد بن المغيرة، معاند الحق، والمبارز لله ولرسوله بالمحاربة والمشاقة، فذمه الله ذما لم يذمه غيره، وهذا جزاء كل من عاند الحق ونابذه، أن له الخزي في الدنيا، ولعذاب الآخرة أخزى، فقال: { ذرني ومن خلقت وحيدا } أي: خلقته منفردا، بلا مال ولا أهل، ولا غيره، فلم أزل أنميه وأربيه، { وجعلت له مالا ممدودا } أي: كثيرا { و } جعلت له { بنين } أي: ذكورا { شهودا } أي: دائما حاضرين عنده، [على الدوام] يتمتع بهم، ويقضي بهم حوائجه، ويستنصر بهم. { ومهدت له تمهيدا } أي: مكنته من الدنيا وأسبابها، حتى انقادت له مطالبه، وحصل على ما يشتهي ويريد، { ثم } مع هذه النعم والإمدادات { يطمع أن أزيد } أي: يطمع أن ينال نعيم الآخرة كما نال نعيم الدنيا. { كلا } أي: ليس الأمر كما طمع، بل هو بخلاف مقصوده ومطلوبه، وذلك لأنه { كان لآياتنا عنيدا } أي: معاندا، عرفها ثم أنكرها، ودعته إلى الحق فلم ينقد لها ولم يكفه أنه أعرض وتولى عنها، بل جعل يحاربها ويسعى في إبطالها، ولهذا قال عنه: { إنه فكر } [أي:] في نفسه { وقدر } ما فكر فيه، ليقول قولا يبطل به القرآن. { فقتل كيف قدر * ثم قتل كيف قدر } لأنه قدر أمرا ليس في طوره، وتسور على ما لا يناله هو و [لا] أمثاله، { ثم نظر } ما يقول، { ثم عبس وبسر } في وجهه، وظاهره نفرة عن الحق وبغضا له، { ثم أدبر } أي: تولى { واستكبر } نتيجة سعيه الفكري والعملي والقولي، أن قال: { إن هذآ إلا سحر يؤثر * إن هذآ إلا قول البشر } أي: ما هذا كلام الله، بل كلام البشر، وليس أيضا كلام البشر الأخيار، بل كلام الفجار منهم والأشرار، من كل كاذب سحار. فتبا له، ما أبعده من الصواب، وأحراه بالخسارة والتباب!! كيف يدور في الأذهان، أو يتصوره ضمير كل إنسان، أن يكون أعلى الكلام وأعظمه، كلام الرب العظيم، الماجد الكريم، يشبه كلام المخلوقين الفقراء الناقصين؟! أم كيف يتجرأ هذا الكاذب العنيد، على وصفه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
صلى الله عليه وسلم قال: "ويل: واد في جهنم، يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره، والصعود: جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفا، ثم يهوي به كذلك فيه أبدا". وقد رواه الترمذي عن عبد بن حميد، عن الحسن بن موسى الأشيب، به (1) ثم قال: غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة عن دراج. كذا قال. وقد رواه ابن جرير، عن يونس، عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن دراج (2) وفيه غرابة ونكارة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة وعلي بن عبد الرحمن -المعروف بعلان المصري (3) -قال: حدثنا منجاب، أخبرنا شريك، عن عمار الدهني، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم: {سأرهقه صعودا} قال: "هو جبل في النار من نار يكلف أن يصعده، فإذا وضع يده ذابت، وإذا رفعها عادت، فإذا وضع رجله ذابت، وإذا رفعها عادت". ورواه البزار وابن جرير، من حديث شريك، به (4) . وقال قتادة، عن (5) ابن عباس: صعود: صخرة [في جهنم] (6) عظيمة يسحب عليها الكافر على وجهه. وقال السدي: صعودا: صخرة ملساء في جهنم، يكلف أن يصعدها. وقال مجاهد: {سأرهقه صعودا} أي: مشقة من العذاب. وقال قتادة: عذابا لا راحة فيه. واختاره ابن جرير. وقوله: {إنه فكر وقدر} أي: إنما أرهقناه صعودا، أي: قربناه من العذاب الشاق؛ لبعده عن الإيمان، لأنه فكر وقدر، أي: تروى ماذا يقول في القرآن حين سئل عن القرآن، ففكر ماذا يختلق من المقال، {وقدر} أي: تروى، {فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر} دعاء عليه، {ثم نظر} أي: أعاد النظرة (7) والتروي. {ثم عبس} أي: قبض بين عينيه وقطب، {وبسر} أي: كلح وكره، ومنه قول توبة بن الحمير الشاعر: وقد رابني منها صدود رأيته %~% وإعراضها عن حاجتي وبسورها وقوله: {ثم أدبر واستكبر} أي: صرف عن الحق، ورجع القهقرى مستكبرا عن الانقياد للقرآن، {فقال إن هذا إلا سحر يؤثر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر} أي: هذا سحر ينقله محمد عن غيره عمن قبله ويحكيه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر} [المدثر: 27] يعني تعالى ذكره بقوله: {سأصليه سقر} [المدثر: 26] سأورده بابا من أبواب جهنم اسمه سقر؛ ولم يجر سقر لأنه اسم من أسماء جهنم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٤٣٢) ↗التحرير والتنوير
والصعود: العقبة الشديدة التصعد الشاقة على الماشي وهي فعول مبالغة من صعد، فإن العقبة صعدة، فإذا كانت عقبة أشد تصعدا من العقبات المعتادة قيل لها: صعود. وكأن أصل هذا الوصف أن العقبة وصفت بأنها صاعدة على طريقة المجاز العقلي ثم جعل ذلك الوصف اسم جنس لها. وقوله: سأرهقه صعودا تمثيل لضد الحالة المجملة في قوله: ومهدت له تمهيدا [المدثر: 14] ، أي سينقلب حاله من حال راحة وتنعم إلى حالة سوأى في الدنيا ثم إلى العذاب الأليم في الآخرة، وكل ذلك إرهاق له. قيل: إنه طال به النزع فكانت تتصاعد نفسه ثم لا يموت وقد جعل له من عذاب النار ما أسفر عنه عذاب الدنيا. وقد وزع وعيده على ما تقتضيه أعماله فإنه لما ذكر عناده وهو من مقاصده السيئة الناشئة عن محافظته على رئاسته وعن حسده النبيء صلى الله عليه وسلم وذلك من الأغراض الدنيوية عقب بوعيده بما يشمل عذاب الدنيا ابتداء. ولما ذكر طعنه في القرآن بقوله: إن هذا إلا سحر يؤثر وأنكر أنه وحي من الله بقوله: إن هذا إلا قول البشر أردف بذكر عذاب الآخرة بقوله: سأصليه سقر [المدثر: 26] . وعن النبيء صلى الله عليه وسلم: رأن صعودا جبل في جهنم يتصعد فيه سبعين خريفا ثم يهوي فيه كذلك أبدا» ، رواه الترمذي وأحمد عن أبي سعيد الخدري . وقال الترمذي: هو حديث غريب. فجعل الله صفة صعود علما على ذلك الجبل في جهنم. وهذا تفسير بأعظم ما دل عليه قوله تعالى: سأرهقه صعودا. وجملة إنه فكر وقدر إلى آخرها بدل من جملة إنه كان لآياتنا عنيدا [المدثر: 16] بدل اشتمال. وقد وصف حاله في تردده وتأمله بأبلغ وصف. فابتدئ بذكر تفكيره في الرأي الذي سيصدر عنه وتقديره. ومعنى فكر أعمل فكره وكرر نظر رأيه ليبتكر عذرا يموهه ويروجه على الدهماء في وصف القرآن بوصف كلام الناس ليزيل منهم اعتقاد أنه وحي أوحي به إلى النبيء صلى الله عليه وسلم.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/٣٠٧) ↗