سورة المزمل · الآية ١٩
﴿إِنَّ هَٰذِهِ تَذْكِرَةٌ ۖ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
[أي:] إن هذه الموعظة التي نبأ الله بها من أحوال يوم القيامة وأهواله، تذكرة يتذكر بها المتقون، وينزجر بها المؤمنون، { فمن شآء اتخذ إلى ربه سبيلا } أي: طريقا موصلا إليه، وذلك باتباع شرعه، فإنه قد أبانه كل البيان، وأوضحه غاية الإيضاح، وفي هذا دليل على أن الله تعالى أقدر العباد على أفعالهم، ومكنهم منها، لا كما يقوله الجبرية: إن أفعالهم تقع بغير مشيئتهم، فإن هذا خلاف النقل والعقل.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: المزمل ١٩) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ثم قال: {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك} أي: تارة هكذا، وتارة هكذا، وذلك كله من غير قصد منكم، ولكن لا تقدرون على المواظبة على ما أمركم به من قيام الليل؛ لأنه يشق عليكم؛ ولهذا قال: {والله يقدر الليل والنهار} أي: تارة يعتدلان، وتارة يأخذ هذا من هذا، أو هذا من هذا، {علم أن لن تحصوه} أي: الفرض الذي أوجبه عليكم {فاقرءوا ما تيسر من القرآن} أي: من غير تحديد بوقت، أي: ولكن قوموا من الليل ما تيسر. وعبر عن الصلاة بالقراءة، كما قال في سورة سبحان: {ولا تجهر بصلاتك} أي: بقراءتك، {ولا تخافت بها} وقد استدل أصحاب الإمام أبي حنيفة، رحمه الله، بهذه الآية، وهي قوله: {فاقرءوا ما تيسر من القرآن} على أنه لا يتعين قراءة الفاتحة في الصلاة، بل لو قرأ بها أو بغيرها من القرآن، ولو بآية، أجزأه؛ واعتضدوا بحديث المسيء صلاته الذي في الصحيحين: "ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن". وقد أجابهم الجمهور بحديث عبادة بن الصامت، وهو في الصحيحين أيضا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (1) وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج، فهي خداج، فهي خداج، غير تمام". (2) وفي صحيح ابن خزيمة عن أبي هريرة مرفوعا: "لا تجزئ صلاة من لم يقرأ بأم القرآن". (3) وقوله: {علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله} أي: علم أن سيكون من هذه الأمة ذوو أعذار في ترك قيام الليل، من مرضى لا يستطيعون ذلك، ومسافرين (4) في الأرض يبتغون من فضل الله في المكاسب والمتاجر، وآخرين مشغولين (5) بما هو الأهم في حقهم من الغزو في سبيل الله وهذه الآية -بل السورة كلها-مكية، ولم يكن القتال شرع بعد، فهي من أكبر دلائل النبوة، لأنه من باب الإخبار بالمغيبات المستقبلة. …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرءوا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم} يعني تعالى ذكره بقوله: إن هذه الآيات التي ذكر فيها أمر القيامة وأهوالها، وما هو فاعل فيها بأهل الكفر {تذكرة} [طه: 3] يقول: عبرة وعظة لمن اعتبر بها واتعظ. {فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا} [المزمل: 19] يقول: فمن شاء من الخلق اتخذ إلى ربه طريقا بالإيمان
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٣٩٢) ↗التحرير والتنوير
منفعل بحرفي زيادة وهما الميم والنون كانت الكلمة معرضة للثقل إذا ألحق بها حرف زائد آخر ثالث، وهو هاء التأنيث فيحصل فيها ثقل يجنبه الكلام البالغ غاية الفصاحة ألا ترى أنها لم تجر على التذكير في قوله: إذا السماء انفطرت [الانفطار: 1] إذ ليس في الفعل إلا حرف مزيد واحد وهو النون إذ لا اعتداد بهمزة الوصل لأنها ساقطة في حالة الوصل، فجاءت بعدها تاء التأنيث. وجملة كان وعده مفعولا صفة أخرى ل يوما، وهذا الوصف إدماج للتصريح بتحقيق وقوع ذلك اليوم بعد الإنذار به الذي هو مقتض لوقوعه بطريق الكناية استقصاء في إبلاغ ذلك إلى علمهم وفي قطع معذرتهم. وضمير وعده عائد إلى يوما الموصوف، وإضافة (وعد) إليه من إضافة المصدر إلى مفعوله على التوسع، أي الوعد به، أي بوقوعه. [19] 19] إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا (19) تذييل أي تذكرة لمن يتذكر فإن كان من منكري البعث آمن به وإن كان مؤمنا استفاق من بعض الغفلة التي تعرض للمؤمن فاستدرك ما فاته، وبهذا العموم الشامل لأحوال المتحدث عنهم وأحوال غيرهم كانت الجملة تذييلا. والإشارة ب هذه إلى الآيات المتقدمة من قوله: إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم [المزمل: 15] . وتأكيد الكلام بحرف التأكيد لأن المواجهين به ابتداء هم منكرون كون القرآن تذكرة وهدى فإنهم كذبوا بأنه من عند الله ووسموه بالسحر وبالأساطير، وذلك من أقوالهم التي أرشد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصبر عليها قال تعالى: واصبر على ما يقولون [المزمل: 10] . والتذكرة: اسم لمصدر الذكر بضم الذال، الذي هو خطور الشيء في البال، فالتذكرة: الموعظة لأنه تذكر الغافل عن سوء العواقب، وهذا تنويه بآيات القرآن وتجديد للتحريض على التدبر فيه والتفكر على طريقة التعريض.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/٢٧٧) ↗