البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة المزمل · الآية ١٠

﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

المزمل: المتغطي بثيابه كالمدثر، وهذا الوصف حصل من رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أكرمه الله برسالته، وابتدأه بإنزال [وحيه بإرسال] جبريل إليه، فرأى أمرا لم ير مثله، ولا يقدر على الثبات له إلا المرسلون، فاعتراه في ابتداء ذلك انزعاج حين رأى جبريل عليه السلام، فأتى إلى أهله، فقال: " زملوني زملوني " وهو ترعد فرائصه، ثم جاءه جبريل، فقال: " اقرأ " فقال: " ما أنا بقارئ " ، فغطه حتى بلغ منه الجهد، وهو يعالجه على القراءة، فقرأ صلى الله عليه وسلم، ثم ألقى الله عليه الثبات، وتابع عليه الوحي، حتى بلغ مبلغا ما بلغه أحد من المرسلين. فسبحان الله، ما أعظم التفاوت بين ابتداء نبوته ونهايتها، ولهذا خاطبه الله بهذا الوصف الذي وجد منه في أول أمره. فأمره هنا بالعبادات المتعلقة به، ثم أمره بالصبر على أذية أعدائه، ثم أمره بالصدع بأمره، وإعلان دعوتهم إلى الله، فأمره هنا بأشرف العبادات، وهي الصلاة، وبآكد الأوقات وأفضلها، وهو قيام الليل. ومن رحمته تعالى، أنه لم يأمره بقيام الليل كله، بل قال: { قم اليل إلا قليلا } ، ثم قدر ذلك فقال: { نصفه أو انقص منه } أي: من النصف { قليلا } بأن يكون الثلث ونحوه، { أو زد عليه } أي: على النصف، فيكون الثلثين ونحوها. { ورتل القرآن ترتيلا } فإن ترتيل القرآن به يحصل التدبر والتفكر، وتحريك القلوب به، والتعبد بآياته، والتهيؤ والاستعداد التام له، فإنه قال: { إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا } أي: نوحي إليك هذا القرآن الثقيل أي: العظيمة معانيه، الجليلة أوصافه، وما كان بهذا الوصف، حقيق أن يتهيأ له، ويرتل، ويتفكر فيما يشتمل عليه. ثم ذكر الحكمة في أمره بقيام الليل، فقال: { إن ناشئة الليل } أي: الصلاة فيه بعد النوم { هي أشد وطأ وأقوم قيلا } أي: أقرب إلى تحصيل مقصود القرآن، يتواطأ على القرآن القلب واللسان، وتقل الشواغل، ويفهم ما يقول، ويستقيم له أمره، وهذا بخلاف النهار، فإنه لا يحصل به …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

يقول تعالى آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم بالصبر على ما يقوله من كذبه من سفهاء قومه، وأن يهجرهم هجرا جميلا وهو الذي لا عتاب معه. ثم قال له متوعدا لكفار قومه ومتهددا -وهو العظيم الذي لا يقوم لغضبه شيء-: {وذرني والمكذبين أولي النعمة} أي: دعني والمكذبين المترفين أصحاب الأموال، فإنهم على الطاعة أقدر من غيرهم وهم يطالبون من الحقوق بما ليس عند غيرهم، {ومهلهم قليلا} أي: رويدا، كما قال: {نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ} [لقمان: 24] ؛ ولهذا قال هاهنا: {إن لدينا أنكالا} وهي: القيود. قاله ابن عباس، وعكرمة، وطاوس، ومحمد بن كعب، وعبد الله بن بريدة، وأبو عمران الجوني، وأبو مجلز، والضحاك، وحماد بن أبي سلمان، وقتادة والسدي، وابن المبارك والثوري، وغير واحد، {وجحيما} وهي السعير المضطرمة. {وطعاما ذا غصة} قال ابن عباس: ينشب في الحلق فلا يدخل ولا يخرج. {وعذابا أليما يوم ترجف الأرض والجبال} أي: تزلزل، {وكانت الجبال كثيبا مهيلا} أي: تصير ككثبان الرمل بعد ما كانت حجارة صماء، ثم إنها تنسف نسفا فلا يبقى منها شيء إلا ذهب، حتى تصير الأرض قاعا صفصفا، لا ترى فيها عوجا، أي: واديا، ولا أمتا، أي: رابية، ومعناه: لا شيء ينخفض ولا شيء يرتفع. ثم قال مخاطبا لكفار قريش، والمراد سائر الناس: {إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم} أي: بأعمالكم، {كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا} قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي، والثوري: {أخذا وبيلا} أي: شديدا، أي فاحذروا أنتم أن تكذبوا هذا الرسول، فيصيبكم ما أصاب فرعون، حيث أخذه الله أخذ عزيز مقتدر، كما قال تعالى: {فأخذه الله نكال الآخرة والأولى} [النازعات: 25] وأنتم أولى بالهلاك والدمار إن كذبتم؛ لأن رسولكم أشرف وأعظم من موسى بن عمران. ويروى عن ابن عباس ومجاهد. وقوله: {فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا} يحتمل أن يكون {يوما} معمولا …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

دون سائر الأشياء غيره؛ وهو من قولهم: تبتلت هذا الأمر؛ ومنه قيل لأم عيسى ابن مريم البتول، لانقطاعها إلى الله؛ ويقال للعابد المنقطع عن الدنيا وأسبابها إلى عبادة الله: قد تبتل؛ ومنه الخبر الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه نهى عن التبتل. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٣٧٧) ↗

التحرير والتنوير

ووصف الله بأنه رب المشرق والمغرب لمناسبة الأمر بذكره في الليل وذكره في النهار وهما وقتا ابتداء غياب الشمس وطلوعها، وذلك يشعر بامتداد كل زمان منهما إلى أن يأتي ضده فيصح أن يكون المشرق والمغرب جهتي الشروق والغروب، فيكون لاستيعاب جهات الأرض، أي رب جميع العالم وذلك يشعر بوقتي الشروق والغروب. ويصح أن يراد بهما وقتا الشروق والغروب، أي مبدأ ذينك الوقتين ومنتهاهما، كما يقال: سبحوا لله كل مشرق شمس، وكما يقال: صلاة المغرب. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم وأبو جعفر برفع رب على أنه خبر لمبتدأ محذوف حذفا جرى على الاستعمال في مثله مما يسبق في الكلام حديث عنه. ثم أريد الإخبار عنه بخبر جامع لصفاته، وهو من قبيل النعت المقطوع المرفوع بتقدير مبتدأ. وقرأه ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ويعقوب وخلف بخفض رب على البدل من ربك. وعقب وصف الله ب رب المشرق والمغرب، بالإخبار عنه أو بوصفه بأنه لا إله إلا هو لأن تفرده بالإلهية بمنزلة النتيجة لربوبية المشرق والمغرب فلما كانت ربوبيته للعالم لا ينازع فيها المشركون أعقبت بما يقتضي إبطال دعوى المشركين تعدد الآلهة بقوله: لا إله إلا هو تعريضا بهم في أثناء الكلام وإن كان الكلام مسوقا إلى النبيء صلى الله عليه وسلم. ولذلك فرع عليه قوله: فاتخذه وكيلا، وإذ كان الأمر باتخاذ وكيلا مسببا عن كونه لا إله إلا هو كان ذلك في قوة النهي عن اتخاذ وكيل غيره، إذ ليس غيره بأهل لاتخاذه وكيلا. والوكيل: الذي يوكل إليه الأمور، أي يفوض إلى تصرفه، ومن أهم التفويض أمر الانتصار لمن توكل عليه، فإن النبيء صلى الله عليه وسلم لما بلغه قول المشركين فيه اغتم لذلك، وقد روي أن ذلك سبب تزمله من موجدة الحزن فأمره الله بأن لا يعتمد إلا عليه، وهذا تكفل بالنصر ولذلك عقب بقوله: واصبر على ما يقولون [المزمل: 10] . [10] 10] واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/٢٦٧) ↗