سورة المزمل · الآية ١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
المزمل: المتغطي بثيابه كالمدثر، وهذا الوصف حصل من رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أكرمه الله برسالته، وابتدأه بإنزال [وحيه بإرسال] جبريل إليه، فرأى أمرا لم ير مثله، ولا يقدر على الثبات له إلا المرسلون، فاعتراه في ابتداء ذلك انزعاج حين رأى جبريل عليه السلام، فأتى إلى أهله، فقال: " زملوني زملوني " وهو ترعد فرائصه، ثم جاءه جبريل، فقال: " اقرأ " فقال: " ما أنا بقارئ " ، فغطه حتى بلغ منه الجهد، وهو يعالجه على القراءة، فقرأ صلى الله عليه وسلم، ثم ألقى الله عليه الثبات، وتابع عليه الوحي، حتى بلغ مبلغا ما بلغه أحد من المرسلين. فسبحان الله، ما أعظم التفاوت بين ابتداء نبوته ونهايتها، ولهذا خاطبه الله بهذا الوصف الذي وجد منه في أول أمره. فأمره هنا بالعبادات المتعلقة به، ثم أمره بالصبر على أذية أعدائه، ثم أمره بالصدع بأمره، وإعلان دعوتهم إلى الله، فأمره هنا بأشرف العبادات، وهي الصلاة، وبآكد الأوقات وأفضلها، وهو قيام الليل. ومن رحمته تعالى، أنه لم يأمره بقيام الليل كله، بل قال: { قم اليل إلا قليلا } ، ثم قدر ذلك فقال: { نصفه أو انقص منه } أي: من النصف { قليلا } بأن يكون الثلث ونحوه، { أو زد عليه } أي: على النصف، فيكون الثلثين ونحوها. { ورتل القرآن ترتيلا } فإن ترتيل القرآن به يحصل التدبر والتفكر، وتحريك القلوب به، والتعبد بآياته، والتهيؤ والاستعداد التام له، فإنه قال: { إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا } أي: نوحي إليك هذا القرآن الثقيل أي: العظيمة معانيه، الجليلة أوصافه، وما كان بهذا الوصف، حقيق أن يتهيأ له، ويرتل، ويتفكر فيما يشتمل عليه. ثم ذكر الحكمة في أمره بقيام الليل، فقال: { إن ناشئة الليل } أي: الصلاة فيه بعد النوم { هي أشد وطأ وأقوم قيلا } أي: أقرب إلى تحصيل مقصود القرآن، يتواطأ على القرآن القلب واللسان، وتقل الشواغل، ويفهم ما يقول، ويستقيم له أمره، وهذا بخلاف النهار، فإنه لا يحصل به …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
زملت القرآن. وقوله: {نصفه} بدل من الليل {أو انقص منه قليلا. أو زد عليه} أي: أمرناك أن تقوم نصف الليل بزيادة قليلة أو نقصان قليل، لا حرج عليك في ذلك. وقوله: {ورتل القرآن ترتيلا} أي: اقرأه على تمهل، فإنه يكون عونا على فهم القرآن وتدبره. وكذلك كان يقرأ صلوات الله وسلامه عليه، قالت عائشة: كان يقرأ السورة فيرتلها، حتى تكون أطول من أطول منها. وفي صحيح البخاري، عن أنس: أنه سئل عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: كانت مدا، ثم قرأ {بسم الله الرحمن الرحيم} يمد بسم الله، ويمد الرحمن، ويمد الرحيم. (1) وقال ابن جريج، عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة: أنها سئلت عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان يقطع قراءته آية آية، {بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين} رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي. (2) وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقال لصاحب (3) القرآن: اقرأ وارق، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها". ورواه أبو داود، والترمذي والنسائي، من حديث سفيان الثوري، به (4) وقال الترمذي: حسن صحيح. وقد قدمنا في أول التفسير الأحاديث الدالة على استحباب الترتيل وتحسين الصوت بالقراءة، كما جاء في الحديث: "زينوا القرآن بأصواتكم"، و "ليس منا من لم يتغن بالقرآن"، و "لقد أوتي هذا مزمار من مزامير آل داود" يعني: أبا موسى، فقال أبو موسى: لو كنت أعلم أنك كنت تسمع قراءتي لحبرته لك تحبيرا. (5) وعن ابن مسعود أنه قال: لا تنثروه نثر الرمل (6) ولا تهذوه هذ الشعر، قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة. رواه البغوي. (7) وقال البخاري: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا عمرو بن مرة: سمعت أبا وائل قال: جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: قرأت المفصل (8) الليلة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية من التزمل، فقال بعضهم: وصفه بأنه متزمل في ثيابه، متأهب للصلاة.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٣٥٧) ↗التحرير والتنوير
… به في مكة. والروايات تظاهرت على أن قوله: إن ربك يعلم أنك تقوم إلى آخر السورة نزل مفصولا عن نزول ما قبله بمدة مختلف في قدرها، فقالت عائشة: «نزل بعد صدر السورة بسنة» ، ومثله روى الطبري عن ابن عباس، وقال الجمهور: نزل صدر السورة بمكة ونزل إن ربك يعلم إلى آخرها بالمدينة، أي بعد نزول أولها بسنين. فالظاهر أن الأصح أن نزول إن ربك يعلم إلى آخر السورة نزل بالمدينة لقوله تعالى: وآخرون يقاتلون في سبيل الله [المزمل: 20] إن لم يكن ذلك إنباء بمغيب على وجه المعجزة. وروى الطبري عن سعيد بن جبير «قال: لما أنزل الله على نبيئه صلى الله عليه وسلم يا أيها المزمل [المزمل: 1] مكث النبيء صلى الله عليه وسلم على هذا الحال عشر سنين يقوم الليل كما أمره الله وكانت طائفة من أصحابه يقومون معه فأنزل الله بعد عشر سنين إن ربك يعلم أنك تقوم إلى وأقيموا الصلاة [المزمل: 20] اه، أي نزلت الآيات الأخيرة في المدينة بناء على أن مقام النبيء صلى الله عليه وسلم بمكة كان عشر سنين وهو قول جم غفير. والروايات عن عائشة مضطربة فبعضها يقتضي أن السورة كلها مكية وأن صدرها نزل قبل آخرها بسنة قبل فرض الصلاة وهو ما رواه الحاكم في نقل صاحب «الإتقان» . وذلك يقتضي أن أول السورة نزل بمكة، وبعض الروايات يقول فيها: إنها كانت تفرش لرسول الله صلى الله عليه وسلم حصيرا فصلى عليه من الليل فتسامع الناس فاجتمعوا فخرج مغضبا وخشي أن يكتب عليهم قيام الليل ونزل يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا [المزمل: 1، 2] فكتبت عليهم بمنزلة الفريضة ومكثوا على ذلك ثمانية أشهر ثم وضع الله ذلك عنهم، فأنزل إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل إلى فتاب عليكم [المزمل: 20] ، فردهم إلى الفريضة ووضع عنهم النافلة. وهذا ما رواه الطبري بسندين إلى أبي سلمة بن عبد الرحمان عن عائشة، وهو يقتضي أن السورة كلها مدنية لأن النبيء صلى الله عليه وسلم لم يبن بعائشة إلا في …
أكمل القراءة في الكتاب ↗