البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الجن · الآية ٣

﴿وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

أي: { قل } يا أيها الرسول للناس { أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن } صرفهم الله [إلى رسوله] لسماع آياته، لتقوم عليهم الحجة، [وتتم عليهم النعمة] ويكونوا نذرا لقومهم. وأمر الله رسوله، أن يقص نبأهم على الناس، وذلك أنهم لما حضروه، قالوا: أنصتوا، فلما أنصتوا فهموا معانيه، ووصلت حقائقه إلى قلوبهم، { فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا } أي: من العجائب الغالية، والمطالب العالية. { يهدي إلى الرشد } والرشد: اسم جامع لكل ما يرشد الناس إلى مصالح دينهم ودنياهم، { فآمنا به ولن نشرك بربنآ أحدا } فجمعوا بين الإيمان الذي يدخل فيه جميع أعمال الخير، وبين التقوى، [المتضمنة لترك الشر] وجعلوا السبب الداعي لهم إلى الإيمان وتوابعه، ما علموه من إرشادات القرآن، وما اشتمل عليه من المصالح والفوائد واجتناب المضار، فإن ذلك آية عظيمة، وحجة قاطعة، لمن استنار به، واهتدى بهديه، وهذا الإيمان النافع، المثمر لكل خير، المبني على هداية القرآن، بخلاف إيمان العوائد، والمربى والإلف ونحو ذلك، فإنه إيمان تقليد تحت خطر الشبهات والعوارض الكثيرة، { وأنه تعالى جد ربنا } أي: تعالت عظمته وتقدست أسماؤه، { ما اتخذ صاحبة ولا ولدا } فعلموا من جد الله وعظمته، ما دلهم على بطلان من يزعم أن له صاحبة أو ولدا، لأن له العظمة والكمال في كل صفة كمال، واتخاذ الصاحبة والولد ينافي ذلك، لأنه يضاد كمال الغنى. { وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا } أي: قولا جائرا عن الصواب، متعديا للحد، وما حمله على ذلك إلا سفهه وضعف عقله، وإلا فلو كان رزينا مطمئنا لعرف كيف يقول.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الجن ١–٤) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

الجن: تنزه الرب تعالى جلاله وعظمته، حين أسلموا وآمنوا بالقرآن، عن اتخاذ الصاحبة والولد. ثم قالوا: {وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا} قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة، والسدي: {سفيهنا} يعنون: إبليس، {شططا} قال السدي، عن أبي مالك: {شططا} أي: جورا. وقال ابن زيد: ظلما كبيرا. ويحتمل أن يكون المراد بقولهم: {سفيهنا} اسم جنس لكل من زعم أن لله صاحبة أو ولدا. ولهذا قالوا: {وأنه كان يقول سفيهنا} أي: قبل إسلامه {على الله شططا} أي: باطلا وزورا؛ {وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا} أي: ما حسبنا أن الإنس والجن يتمالئون على الكذب على الله في نسبة الصاحبة والولد إليه. فلما سمعنا هذا القرآن وآمنا به، علمنا أنهم كانوا يكذبون على الله في ذلك. وقوله: {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا} أي: كنا نرى أن لنا فضلا على الإنس؛ لأنهم كانوا يعوذون بنا، أي: إذا نزلوا واديا أو مكانا موحشا من البراري وغيرها كما كان عادة العرب في جاهليتها. يعوذون بعظيم ذلك المكان من الجان، أن يصيبهم بشيء يسوؤهم كما كان أحدهم يدخل بلاد أعدائه في جوار رجل كبير وذمامه وخفارته، فلما رأت الجن أن الإنس يعوذون (1) بهم من خوفهم منهم، {فزادوهم رهقا} أي: خوفا وإرهابا وذعرا، حتى تبقوا أشد منهم مخافة وأكثر تعوذا بهم، كما قال قتادة: {فزادوهم رهقا} أي: إثما، وازدادت الجن عليهم بذلك جراءة. وقال الثوري، عن منصور عن إبراهيم: {فزادوهم رهقا} أي: ازدادت الجن عليهم جرأة. وقال السدي: كان الرجل يخرج بأهله فيأتي الأرض فينزلها فيقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من الجن أن أضر أنا فيه أو مالي أو ولدي أو ماشيتي، قال: فإذا عاذ بهم من دون الله، رهقتهم الجن الأذى عند ذلك. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد يحيى بن سعيد القطان، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، حدثنا الزبير بن الخريت، عن عكرمة قال: كان الجن يفرقون من الإنس كما يفرق …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

استمع نفر من الجن} [الجن: 1] هذا القرآن فقالوا لقومهم لما سمعوه {إنا سمعنا قرآنا عجبا، يهدي إلى الرشد} [الجن: 1] يقول: يدل على الحق وسبيل الصواب {فآمنا به} [الجن: 2] يقول: فصدقناه {ولن نشرك بربنا أحدا} [الجن: 2] من خلقه. وكان سبب استماع هؤلاء النفر من الجن القرآن:

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٣١٠) ↗

التحرير والتنوير

3] وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا (3) هذا محكي عن كلام الجن، قرأه الجمهور بكسر همزة أنه على اعتباره معطوفا على قولهم: إنا سمعنا قرآنا عجبا [الجن: 1] إذ يجب كسر همزة (إن) إذا حكيت بالقول. وقرأه ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص وأبو جعفر وخلف بفتح الهمزة على أنه معطوف على الضمير المجرور بالباء في قوله: فآمنا به [الجن: 2] أي وآمنا بأنه تعالى جد ربنا. وعدم إعادة الجار مع المعطوف على المجرور بالحرف مستعمل، وجوزه الكوفيون، على أن حرف الجر كثير حذفه مع (أن) فلا ينبغي أن يختلف في حذفه هنا على هذا التأويل. قال في «الكشاف» : أنه استمع [الجن: 1] بالفتح لأنه فاعل أوحي (أي نائب الفاعل) وإنا سمعنا بالكسر لأنه مبتدأ محكي بعد القول ثم تحمل عليهما البواقي فما كان من الوحي فتح وما كان من قول الجن كسر، وكلهن من قولهم، إلا الثنتين الأخريين: وأن المساجد لله [الجن: 18] ، وأنه لما قام عبد الله [الجن: 19] ومن فتح كلهن فعطفا على محل الجار والمجرور في فآمنا به [الجن: 2] كأنه قيل: صدقناه وصدقنا أنه تعالى جد ربنا، وأنه كان يقول سفيهنا، وكذلك البواقي اه. والتعالي: شدة العلو، جعل شديد العلو كالمتكلف العلو لخروج علوه عن غالب ما تعارفه الناس فأشبه التكلف. والجد: بفتح الجيم العظمة والجلال، وهذا تمهيد وتوطئة لقوله: ما اتخذ صاحبة ولا ولدا، لأن اتخاذ الصاحبة للافتقار إليها لأنسها وعونها والالتذاذ بصحبتها، وكل ذلك من آثار الاحتياج، والله تعالى الغني المطلق، وتعالى جده بغناه المطلق، والولد يرغب فيه للاستعانة والأنس به، مع ما يقتضيه من انفصاله من أجزاء والديه وكل ذلك من الافتقار والانتقاص. وضمير أنه ضمير شأن وخبره جملة تعالى جد ربنا. وجملة ما اتخذ صاحبة إلى آخرها بدل اشتمال من جملة تعالى جد ربنا.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/٢٢٢) ↗