سورة الجن · الآية ٢٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ قل إني لن يجيرني من الله أحد }. أي: لا أحد أستجير به ينقذني من عذاب الله، وإذا كان الرسول الذي هو أكمل الخلق، لا يملك ضرا ولا رشدا، ولا يمنع نفسه من الله [شيئا] إن أراده بسوء، فغيره من الخلق من باب أولى وأحرى، { ولن أجد من دونه ملتحدا } أي: ملجأ ومنتصرا. { إلا بلاغا من الله ورسالاته } أي: ليس لي مزية على الناس، إلا أن الله خصني بإبلاغ رسالاته ودعوة الخلق إلى الله، وبهذا تقوم الحجة على الناس. { ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيهآ أبدا } وهذا المراد به المعصية الكفرية، كما قيدتها النصوص الأخر المحكمة. وأما مجرد المعصية، فإنه لا يوجب الخلود في النار، كما دلت على ذلك آيات القرآن، والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأجمع عليه سلف الأمة وأئمة هذه الأمة. { حتى إذا رأوا ما يوعدون } أي: شاهدوه عيانا، وجزموا أنه واقع بهم، { فسيعلمون } في ذلك الوقت حقيقة المعرفة { من أضعف ناصرا وأقل عددا } حين لا ينصرهم غيرهم ولا أنفسهم ينتصرون، وإذ يحشرون فرادى كما خلقوا أول مرة. { قل } لهم إن سألوك [فقالوا] " متى هذا الوعد؟ ": { إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا } أي: غاية طويلة، فعلم ذلك عند الله، { علم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا } من الخلق، بل انفرد بعلم الضمائر والأسرار والغيب، { إلا من ارتضى من رسول } أي: فإنه يخبره بما اقتضت حكمته أن يخبره به، وذلك لأن الرسل ليسوا كغيرهم، فإن الله أيدهم بتأييد ما أيده أحدا من الخلق، وحفظ ما أوحاه إليهم حتى يبلغوه على حقيقته، من غير أن تتخبطهم الشياطين، ولا يزيدوا فيه أو ينقصوا، ولهذا قال: { فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا } أي: يحفظونه بأمر الله { ليعلم } بذلك { أن قد أبلغوا رسالات ربهم } بما جعله لهم من الأسباب، { وأحاط بما لديهم } أي: بما عندهم، وما أسروه وأعلنوه، { وأحصى كل شيء عددا }. وفي هذه السورة فوائد كثيرة: منها: وجود …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى آمرا عباده أن يوحدوه في مجال عبادته، ولا يدعى معه أحد ولا يشرك به (1) كما قال قتادة في قوله: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} قال: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم، أشركوا بالله، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يوحدوه وحده. وقال ابن أبي حاتم: ذكر علي بن الحسين: حدثنا إسماعيل بن بنت السدي، أخبرنا رجل سماه، عن السدي، عن أبي مالك -أو أبي صالح-عن ابن عباس في قوله: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} قال: لم يكن يوم نزلت هذه الآية في الأرض مسجد إلا المسجد الحرام، ومسجد إيليا: بيت المقدس. وقال الأعمش: قالت الجن: يا رسول الله، ائذن لنا نشهد معك الصلوات في مسجدك. فأنزل الله: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} يقول: صلوا، لا تخالطوا الناس. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن محمود عن سعيد بن جبير،: {وأن المساجد لله} قال: قالت الجن لنبي (2) الله صلى الله عليه وسلم: كيف لنا أن نأتي المسجد ونحن ناءون [عنك] (3) ؟، وكيف نشهد الصلاة ونحن ناءون عنك؟ فنزلت: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} (4) وقال سفيان، عن خصيف، عن عكرمة: نزلت في المساجد كلها. وقال سعيد بن جبير. نزلت في أعضاء السجود، أي: هي لله فلا تسجدوا بها لغيره. وذكروا عند هذا القول الحديث الصحيح، من رواية عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة -أشار (5) بيديه إلى أنفه- واليدين والركبتين وأطراف القدمين" (6) وقوله: {وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا} قال العوفي، عن ابن عباس يقول: لما سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن كادوا يركبونه؛ من الحرص، لما سمعوه يتلو القرآن، ودنوا منه فلم يعلم بهم حتى أتاه الرسول فجعل …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
وقال بالألف؛ ومن قرأ ذلك كذلك، جعله خبرا من الله عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال، فيكون معنى الكلام: وأنه لما قام عبد الله يدعوه تلبدوا عليه، قال لهم: {إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا} [الجن: 20] . وقرأ ذلك بعض المدنيين وعامة قراء الكوفة على وجه الأمر من الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم:
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٣٤٧) ↗التحرير والتنوير
وجملة قل إنما أدعوا ربي ولا أشرك به أحدا بيان لجملة يدعوه. وقرأ الجمهور قال بصيغة الماضي. وقرأه حمزة وعاصم وأبو جعفر قل بدون ألف على صيغة الأمر، فتكون الجملة استئنافا. والتقدير: أوحي إلي أنه لما قام عبد الله إلى آخره قل إنما أدعو ربي، فهو من تمام ما أوحي به إليه. وإنما أدعوا ربي، يفيد قصرا، أي لا أدعو غيره، أي لا أعبد غيره دونه. وعطف عليه ولا أشرك به أحدا تأكيدا لمفهوم القصر، وأصله أن لا يعطف فعطفه لمجرد التشريك للعناية باستقلاله بالإبلاغ. [21- 23] قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا (21) قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا (22) إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا (23) قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا (21) قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا (22) إلا بلاغا من الله ورسالاته. هذا استئناف ابتدائي. وهو انتقال من ذكر ما أوحي به إلى النبيء صلى الله عليه وسلم إلى توجيه خطاب مستأنف إليه، فبعد أن حكي في هذه السورة ما أوحى الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم مما خفي عليه من الشؤون المتعلقة به من اتباع متابعين وإعراض معرضين، انتقل إلى تلقينه ما يرد على الذين أظهروا له العناد والتورك. ويجوز أن يكون قل إني لا أملك إلخ، تكريرا لجملة قل إنما أدعوا ربي [الجن: 20] على قراءة حمزة وعاصم وأبي جعفر. والضر: إشارة إلى ما يتوركون به من طلب إنجاز ما يتوعدهم به من النصر عليهم. وقوله: ولا رشدا تتميم. وفي الكلام احتباك لأن الضر يقابله النفع، والرشد يقابله الضلال، فالتقدير: لا أملك لكم ضرا ولا نفعا ولا ضلالا ولا رشدا. والرشد بفتحتين: مصدر رشد، والرشد، بضم فسكون: الاسم، وهو معرفة الصواب، وقد تقدم قريبا في قوله: يهدي إلى الرشد [الجن: 2] .
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/٢٤٣) ↗