سورة نوح · الآية ٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ بسم الله الرحمن الرحيم * إنآ أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك } إلى آخر السورة لم يذكر الله في هذه السورة سوى قصة نوح وحدها لطول لبثه في قومه، وتكرار دعوته إلى التوحيد، ونهيه عن الشرك، فأخبر تعالى أنه أرسله إلى قومه، رحمة بهم وإنذارا لهم من عذاب الله الأليم، خوفا من استمرارهم على كفرهم، فيهلكهم الله هلاكا أبديا، ويعذبهم عذابا سرمديا، فامتثل نوح عليه السلام لذلك، وابتدر لأمر الله، فقال: { يقوم إني لكم نذير مبين } أي: واضح النذارة بينها، وذلك لتوضيحه ما أنذر به وما أنذر عنه، وبأي: شيء تحصل النجاة، بين جميع ذلك بيانا شافيا، فأخبرهم وأمرهم بزبدة ما يأمرهم به، فقال: { أن اعبدوا الله واتقوه } وذلك بإفراده تعالى بالتوحيد والعبادة، والبعد عن الشرك وطرقه ووسائله، فإنهم إذا اتقوا الله غفر ذنوبهم، وإذا غفر ذنوبهم، حصل لهم النجاة من العذاب، والفوز بالثواب، { ويؤخركم إلى أجل مسمى } أي: يمتعكم في هذه الدار، ويدفع عنكم الهلاك إلى أجل مسمى أي: مقدر [البقاء في الدنيا] بقضاء الله وقدره [إلى وقت محدود]، وليس المتاع أبدا، فإن الموت لا بد منه، ولهذا قال: { إن أجل الله إذا جآء لا يؤخر لو كنتم تعلمون } لما كفرتم بالله، وعاندتم الحق، فلم يجيبوا لدعوته، ولا انقادوا لأمره، فقال شاكيا لربه: { رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا * فلم يزدهم دعآئي إلا فرارا } أي: نفورا عن الحق وإعراضا، فلم يبق لذلك فائدة، لأن فائدة الدعوة أن يحصل جميع المقصود أو بعضه، { وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم } أي: لأجل أن يستجيبوا، فإذا استجابوا، غفرت لهم، فكان هذا محض مصلحتهم، ولكنهم أبوا إلا تماديا على باطلهم، ونفورا عن الحق، { جعلوا أصابعهم في آذانهم } حذر سماع ما يقول لهم نبيهم نوح عليه السلام، { واستغشوا ثيابهم } أي: تغطوا بها غطاء يغشاهم، بعدا عن الحق وبغضا له، { وأصروا } على كفرهم وشرهم، { واستكبروا } على الحق { استكبارا } …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
{إنا أرسلنا نوحا} [نوح: 1] وهو نوح بن لمك إلى قومه. {أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم} [نوح: 1] يقول: أرسلناه إليهم بأن أنذر قومك؛ فأن في موضع نصب في قول بعض أهل العربية، وفي موضع خفض في قول بعضهم. وقد بينت العلل لكل فريق منهم، والصواب عندنا من القول في ذلك فيما مضى من كتابنا هذا، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وهي في قراءة عبد الله فيما ذكر «إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أنذر قومك» بغير أن وجاز ذلك لأن الإرسال بمعنى القول، فكأنه قيل: قلنا لنوح: أنذر قومك {من قبل أن يأتيهم عذاب أليم} [نوح: 1] وذلك العذاب الأليم هو الطوفان الذي غرقهم الله به.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٢٨٨) ↗التحرير والتنوير
بأن يعلمهم بهذا العذاب، وأن الله وقته بمدة بقائهم على الشرك بعد إبلاغ نوح إليهم ما أرسل به في مدة يقع الإبلاغ في مثلها، فحذف متعلق فعل أنذر لدلالة ما يأتي بعده من قوله: أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون [نوح: 3] . وحرف من زائد للتوكيد، أي قبل أن يأتيهم عذاب فهي قبلية مؤكدة وتأكيدها باعتبار تحقيق ما أضيف إليه قبل. و «قوم نوح» هم الناس الذين كانوا عامرين الأرض يومئذ، إذ لا يوجد غيرهم على الأرض كما هو ظاهر حديث الشفاعة وذلك صريح ما في التوراة. والقوم: الجماعة من الناس الذين يجمعهم موطن واحد أو نسب واحد برجالهم ونسائهم وأطفالهم. وإضافة (قوم) إلى ضمير نوح لأنه أرسل إليهم فلهم مزيد اختصاص به، ولأنه واحد منهم وهم بين أبناء له وأنسباء فإضافتهم إلى ضميره تعريف لهم إذ لم يكن لهم اسم خاص من أسماء الأمم الواقعة من بعد. وعدل عن أن يقال له: أنذر الناس إلى قوله: أنذر قومك إلهابا لنفس نوح ليكون شديد الحرص على ما فيه نجاتهم من العذاب، فإن فيهم أبناءه وقرابته وأحبته، وهم عدد تكون بالتوالد في بني آدم في مدة ستمائة سنة من حلول جنس الإنسان على الأرض. ولعل عددهم يوم أرسل إليهم نوح لا يتجاوز بضعة آلاف. [2- 4] 4] قال يا قوم إني لكم نذير مبين (2) أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون (3) يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون (4) قال يا قوم إني لكم نذير مبين (2) أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون (3) يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى. لم تعطف جملة قال يا قوم بالفاء التفريعية على جملة أرسلنا نوحا إلى قومه [نوح: 1] لأنها في معنى البيان لجملة أنذر قومك [نوح: 1] لدلالتها على أنه أنذر قومه بما أمره الله أن يقوله لهم، وإنما أدمج فيه فعل قول نوح للدلالة على أنه أمر أن يقول فقال، تنبيها على مبادرة نوح لإنذار قومه في حين يلوغ الوحي إليه من الله بأن ينذر قومه.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/١٨٧) ↗