البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة نوح · الآية ٢٧

﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

{ بسم الله الرحمن الرحيم * إنآ أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك } إلى آخر السورة لم يذكر الله في هذه السورة سوى قصة نوح وحدها لطول لبثه في قومه، وتكرار دعوته إلى التوحيد، ونهيه عن الشرك، فأخبر تعالى أنه أرسله إلى قومه، رحمة بهم وإنذارا لهم من عذاب الله الأليم، خوفا من استمرارهم على كفرهم، فيهلكهم الله هلاكا أبديا، ويعذبهم عذابا سرمديا، فامتثل نوح عليه السلام لذلك، وابتدر لأمر الله، فقال: { يقوم إني لكم نذير مبين } أي: واضح النذارة بينها، وذلك لتوضيحه ما أنذر به وما أنذر عنه، وبأي: شيء تحصل النجاة، بين جميع ذلك بيانا شافيا، فأخبرهم وأمرهم بزبدة ما يأمرهم به، فقال: { أن اعبدوا الله واتقوه } وذلك بإفراده تعالى بالتوحيد والعبادة، والبعد عن الشرك وطرقه ووسائله، فإنهم إذا اتقوا الله غفر ذنوبهم، وإذا غفر ذنوبهم، حصل لهم النجاة من العذاب، والفوز بالثواب، { ويؤخركم إلى أجل مسمى } أي: يمتعكم في هذه الدار، ويدفع عنكم الهلاك إلى أجل مسمى أي: مقدر [البقاء في الدنيا] بقضاء الله وقدره [إلى وقت محدود]، وليس المتاع أبدا، فإن الموت لا بد منه، ولهذا قال: { إن أجل الله إذا جآء لا يؤخر لو كنتم تعلمون } لما كفرتم بالله، وعاندتم الحق، فلم يجيبوا لدعوته، ولا انقادوا لأمره، فقال شاكيا لربه: { رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا * فلم يزدهم دعآئي إلا فرارا } أي: نفورا عن الحق وإعراضا، فلم يبق لذلك فائدة، لأن فائدة الدعوة أن يحصل جميع المقصود أو بعضه، { وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم } أي: لأجل أن يستجيبوا، فإذا استجابوا، غفرت لهم، فكان هذا محض مصلحتهم، ولكنهم أبوا إلا تماديا على باطلهم، ونفورا عن الحق، { جعلوا أصابعهم في آذانهم } حذر سماع ما يقول لهم نبيهم نوح عليه السلام، { واستغشوا ثيابهم } أي: تغطوا بها غطاء يغشاهم، بعدا عن الحق وبغضا له، { وأصروا } على كفرهم وشرهم، { واستكبروا } على الحق { استكبارا } …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

وقال ابن أبي حاتم: قرئ (1) على يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني شبيب بن سعد، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو رحم الله من قوم نوح أحدا، لرحم امرأة، لما رأت الماء حملت ولدها ثم صعدت الجبل، فلما بلغها الماء صعدت (2) به منكبها، فلما بلغ الماء منكبها وضعت ولدها على رأسها، فلما بلغ الماء رأسها رفعت ولدها بيدها. فلو رحم الله منهم أحدا لرحم هذه المرأة". (3) هذا حديث غريب، ورجاله ثقات. ونجى الله أصحاب السفينة الذين آمنوا مع نوح، عليه السلام، وهم الذين أمره الله بحملهم معه. وقوله: {إنك إن تذرهم يضلوا عبادك} أي: إنك إن أبقيت منهم أحدا أضلوا عبادك، أي: الذين تخلقهم بعدهم {ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا} أي: فاجرا في الأعمال كافر القلب، وذلك لخبرته بهم ومكثه بين أظهرهم ألف سنة إلا خمسين عاما. ثم قال: {رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا} قال الضحاك: يعني: مسجدي، ولا مانع من حمل الآية على ظاهرها، وهو أنه دعا لكل من دخل منزله وهو مؤمن، وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة، أنبأنا سالم بن غيلان: أن الوليد بن قيس التجيبي أخبره: أنه سمع أبا سعيد الخدري -أو: عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد:-أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تصحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي". ورواه أبو داود والترمذي، من حديث عبد الله بن المبارك، عن حيوة بن شريح، به (4) ثم قال الترمذي: إنما نعرفه من هذا الوجه. وقوله: {وللمؤمنين والمؤمنات} دعاء لجميع المؤمنين والمؤمنات، وذلك يعم الأحياء منهم والأموات؛ ولهذا يستحب مثل هذا الدعاء، اقتداء بنوح، عليه السلام، وبما جاء في الآثار، والأدعية [المشهورة] (5) المشروعة. وقوله: {ولا تزد الظالمين إلا تبارا} قال السدي: إلا هلاكا. وقال مجاهد: إلا خسارا، أي: في الدنيا والآخرة. آخر تفسير سورة "نوح" [عليه السلام ولله …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

على الأرض، ولم تهلكهم بعذاب من عندك يضلوا عبادك الذين قد آمنوا بك، فيصدوهم عن سبيلك، ولا يلدوا إلا فاجرا في دينك كفارا لنعمتك. وذكر أن قيل نوح هذا القول ودعاءه هذا الدعاء، كان بعد أن أوحى إليه ربه: {أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن} [هود: 36] .

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٣٠٧) ↗

التحرير والتنوير

الذين كانوا يزعمون أن الأصنام تشفع لهم وتدفع عنهم الكوارث يعني في الدنيا لأنهم لا يؤمنون بالبعث، أي كما لم تنصر الأصنام عبدتها من قوم نوح كذلك لا تنصركم أصنامكم. وضمير يجدوا عائد إلى الظالمين من قوله: ولا تزد الظالمين إلا ضلالا [نوح: 24] وكذلك ضمير لهم. والمعنى: فلم يجدوا لأنفسهم أنصارا دون عذاب الله. [26- 27] وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا (26) إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا (27) عطف على قال نوح رب إنهم عصوني [نوح: 21] أعقبه بالدعاء عليهم بالإهلاك والاستئصال بأن لا يبقي منهم أحدا، أي لا تبق منهم أحدا على الأرض. وأعيد فعل قال لوقوع الفصل بين أقوال نوح بجملة مما خطيئاتهم [نوح: 25] إلخ، أو بها وبجملة ولا تزد الظالمين إلا ضلالا [نوح: 24] . وقرنت بواو العطف لتكون مستقلة فلا تتبع جملة إنهم عصوني للإشارة إلى أن دعوة نوح حصلت بعد شكايته بقوله: إنهم عصوني. وديارا: اسم مخصوص بالوقوع في النفي يعم كل إنسان، وهو اسم بوزن فيعال مشتق من اسم الدار فعينه واو لأن عين دار مقدرة واوا، فأصل ديار: ديوار فلما اجتمعت الواو والياء واتصلتا وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء ثم أدغمت في الياء الزائدة كما فعل بسيد وميت، ومعنى ديار: من يحل بدار القوم كناية عن إنسان. ونظير (ديار) في العموم والوقوع في النفي أسماء كثيرة في كلام العرب أبلغها ابن السكيت في «إصلاح المنطق» إلى خمسة وعشرين، وزاد كراع النمل سبعة فبلغت اثنين وثلاثين اسماء وزاد ابن مالك في «التسهيل» ستة فصارت ثمانية وثلاثين. ومن أشهرها: آحد، وديار، وعريب، وكلها بمعنى الإنسان، ولفظ (بد) بضم الموحدة وتشديد الدال المهملة وهو المفارقة.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/٢١٣) ↗