سورة المعارج · الآية ١٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: { يوم } القيامة، تقع فيه هذه الأمور العظيمة ف { تكون السمآء كالمهل } وهو الرصاص المذاب، من تشققها، وبلوغ الهول منها كل مبلغ. { وتكون الجبال كالعهن } وهو الصوف المنفوش، ثم تكون بعد ذاك هباء منثورا فتضمحل، فإذا كان هذا القلق والانزعاج لهذه الأجرام الكبيرة الشديدة، فما ظنك بالعبد الضعيف الذي قد أثقل ظهره بالذنوب والأوزار؟ أليس حقيقا، أن ينخلع قلبه وينزعج لبه، ويذهل عن كل أحد؟ ولهذا قال: { ولا يسأل حميم حميما * يبصرونهم } أي: يشاهد الحميم، وهو القريب حميمه، فلا يبقى في قلبه متسع لسؤال حميمه عن حاله، ولا فيما يتعلق بعشرتهم ومودتهم، ولا يهمه إلا نفسه. { يود المجرم } الذي حق عليه العذاب { لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه * وصاحبته } أي: زوجته { وأخيه * وفصيلته } أي: قرابته { التي تؤويه } أي: التي جرت عادتها في الدنيا أن تتناصر ويعين بعضها بعضا، ففي يوم القيامة، لا ينفع أحد أحدا، ولا يشفع أحد إلا بإذن الله. بل لو يفتدي [المجرم المستحق للعذاب] بجميع ما في الأرض ثم ينجيه لم ينفعه ذلك. { كلا } أي: لا حيلة ولا مناص لهم، قد حقت عليهم كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون، وذهب نفع الأقارب والأصدقاء. { إنها لظى * نزاعة للشوى } أي: للأعضاء الظاهرة والباطنة من شدة عذابها. { تدعوا } إليها { من أدبر وتولى * وجمع فأوعى } أي: أدبر عن اتباع الحق وأعرض عنه، فليس له فيه غرض، وجمع الأموال بعضها فوق بعض وأوعاها، فلم ينفق منها، فإن النار تدعوهم إلى نفسها، وتستعد للالتهاب بهم.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: المعارج ٨–١٨) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… وقال مجاهد: ما دون العظم من اللحم. وقال سعيد بن جبير: العصب. والعقب. وقال أبو صالح: {نزاعة للشوى} يعني: أطراف اليدين والرجلين. وقال أيضا: نزاعة لحم الساقين. وقال الحسن البصري، وثابت البناني: {نزاعة للشوى} أي: مكارم وجهه. وقال الحسن أيضا: تحرق كل شيء فيه، ويبقى فؤاده يصيح. وقال قتادة: {نزاعة للشوى} أي: نزاعة لهامته ومكارم وجهه وخلقه وأطرافه. وقال الضحاك: تبري اللحم والجلد عن العظم، حتى لا تترك منه شيئا. وقال ابن زيد: الشوى: الآراب العظام. فقوله: نزاعة، قال: تقطع عظامهم، ثم يجدد خلقهم وتبدل جلودهم. وقوله: {تدعوا من أدبر وتولى وجمع فأوعى} أي: تدعو النار إليها أبناءها الذين خلقهم الله لها، وقدر لهم أنهم في الدار الدنيا يعملون عملها، فتدعوهم يوم القيامة بلسان طلق ذلق، ثم تلتقطهم من بين أهل المحشر كما يلتقط الطير الحب. وذلك أنهم -كما قال الله، عز وجل-كانوا ممن {أدبر وتولى} أي: كذب بقلبه، وترك العمل بجوارحه {وجمع فأوعى} أي: جمع المال بعضه على بعض فأوعاه، أي: أوكاه ومنع حق الله منه من الواجب عليه في النفقات ومن إخراج الزكاة. وقد ورد في الحديث: "ولا توعي فيوعي الله عليك" (1) وكان عبد الله بن عكيم لا يربط له كيسا ويقول: سمعت الله يقول: {وجمع فأوعى} وقال الحسن البصري: يا ابن آدم، سمعت وعيد الله ثم أوعيت الدنيا. وقال قتادة في قوله: {وجمع فأوعى} قال: كان جموعا قموما للخبيث.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٢٢٥) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
واختلف أهل العربية في موضعها، فقال بعض نحويي البصرة: موضعها
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٢٦٠) ↗التحرير والتنوير
18] يوم تكون السماء كالمهل (8) وتكون الجبال كالعهن (9) ولا يسئل حميم حميما (10) يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه (11) وصاحبته وأخيه (12) وفصيلته التي تؤويه (13) ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه (14) كلا إنها لظى (15) نزاعة للشوى (16) تدعوا من أدبر وتولى (17) وجمع فأوعى (18) يجوز أن يتعلق (يوم تكون السماء) بفعل (تعرج) [المعارج: 4] ، أو أن يتعلق ب (يود المجرم) قدم عليه للاهتمام بذكر اليوم فيكون قوله: يوم تكون السماء كالمهل ابتداء كلام، والجملة المجعولة مبدأ كلام تجعل بدل اشتمال من جملة ولا يسئل حميم حميما لأن عدم المساءلة مسبب عن شدة الهول، ومما يشتمل عليه ذلك أن يود المول لو يفتدي من ذلك العذاب. والمهل: دردي الزيت. والمعنى: تشبيه السماء في انحلال أجزائها بالزيت، وهذا كقوله في سورة الرحمان [37] فكانت وردة كالدهان. والعهن: الصوف المصبوغ، قيل المصبوغ مطلقا، وقيل المصبوغ ألوانا مختلفة وهو الذي درج عليه الراغب والزمخشري، قال زهير: كان فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حب الفنا لم يحطم والفنا بالقصر: حب في البادية، يقال له: عنب الثعلب، وله ألوان بعضه أخضر وبعضه أصفر وبعضه أحمر. والعهنة: شجر بالبادية لها ورد أحمر. ووجه الشبه بالعهن تفرق الأجزاء كما جاءت في آية القارعة [5] وتكون الجبال كالعهن المنفوش فإيثار العهن بالذكر لإكمال المشابهة لأن الجبال ذات ألوان قال تعالى: ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها [فاطر: 27] . وإنما تكون السماء والجبال بهاته الحالة حين ينحل تماسك أجزائهما عند انقراض هذا العالم والمصير إلى عالم الآخرة. ومعنى ولا يسئل حميم حميما لشدة ما يعتري الناس من الهول فمن شدة ذلك أن يرى الحميم حميمه في كرب وعناء فلا يتفرغ لسؤاله عن حاله لأنه في شاغل عنه، فحذف متعلق يسئل لظهوره من المقام ومن قوله: يبصرونهم أي يبصر الأخلاء أحوال أخلائهم من الكرب فلا يسأل حميم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗