سورة الأعراف · الآية ٧٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ وإلى ثمود أخاهم صالحا } إلى آخر قصتهم. أي: { و } أرسلنا { إلى ثمود } القبيلة المعروفة الذين كانوا يسكنون الحجر وما حوله من أرض الحجاز وجزيرة العرب، أرسل الله إليهم { أخاهم صالحا } نبيا يدعوهم إلى الإيمان والتوحيد، وينهاهم عن الشرك والتنديد، ف { قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } دعوته عليه الصلاة والسلام من جنس دعوة إخوانه من المرسلين، الأمر بعبادة الله، وبيان أنه ليس للعباد إله غير الله، { قد جآءتكم بينة من ربكم } أي: خارق من خوارق العادات، التي لا تكون إلا آية سماوية لا يقدر الناس عليها، ثم فسرها بقوله: { هذه ناقة الله لكم آية } أي: هذه ناقة شريفة فاضلة لإضافتها إلى الله تعالى إضافة تشريف، لكم فيها آية عظيمة. وقد ذكر وجه الآية في قوله: لها شرب ولكم شرب يوم معلوم [الشعراء: 155]. وكان عندهم بئر كبيرة، وهي المعروفة ببئر الناقة، يتناوبونها هم والناقة، للناقة يوم تشربها ويشربون اللبن من ضرعها، ولهم يوم يردونها، وتصدر الناقة عنهم. وقال لهم نبيهم صالح عليه السلام: { فذروها تأكل في أرض الله } فلا عليكم من مئونتها شيء، { ولا تمسوها بسوء } أي: بعقر أو غيره، { فيأخذكم عذاب أليم }. { واذكروا إذ جعلكم خلفآء } في الأرض تتمتعون بها وتدركون مطالبكم { من بعد عاد } الذين أهلكهم الله، وجعلكم خلفاء من بعدهم، { وبوأكم في الأرض } أي: مكن لكم فيها، وسهل لكم الأسباب الموصلة إلى ما تريدون وتبتغون { تتخذون من سهولها قصورا } أي: من الأراضي السهلة التي ليست بجبال، تتخذون فيها القصور العالية والأبنية الحصينة، { وتنحتون الجبال بيوتا } كما هو مشاهد إلى الآن من أعمالهم التي في الجبال، من المساكن والحجر ونحوها، وهي باقية ما بقيت الجبال، { فاذكروا آلآء الله } أي: نعمه، وما خولكم من الفضل والرزق والقوة، { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } أي: لا تخربوا الأرض بالفساد والمعاصي، فإن المعاصي تدع الديار …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وإبائهم عن قبول الحق، وإعراضهم عن الهدى إلى العمى -قال لهم صالح ذلك بعد هلاكهم تقريعا وتوبيخا وهم يسمعون ذلك، كما ثبت في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ظهر على أهل بدر، أقام هناك ثلاثا، ثم أمر براحلته فشدت بعد ثلاث من آخر الليل فركبها (1) ثم سار حتى وقف على القليب، قليب بدر، فجعل يقول: "يا أبا جهل بن هشام، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، ويا فلان بن فلان: هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا". فقال له عمر: يا رسول الله، ما تكلم من أقوام قد جيفوا؟ فقال: "والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يجيبون". وفي السيرة أنه، عليه السلام (2) قال لهم: "بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس، فبئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم". (3) وهكذا صالح، عليه السلام، قال لقومه: {لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم} أي: فلم تنتفعوا بذلك، لأنكم لا تحبون (4) الحق ولا تتبعون ناصحا؛ ولهذا قال: {ولكن لا تحبون الناصحين} وقد ذكر بعض المفسرين أن كل نبي هلكت أمته، كان يذهب فيقيم في الحرم، حرم مكة، فالله أعلم. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي عسفان حين حج قال: "يا أبا بكر، أي وادي هذا؟ " قال: هذا وادي عسفان. قال: "لقد مر به هود وصالح، عليهما السلام، على بكرات حمر خطمها الليف، أزرهم العباء، وأرديتهم النمار، يلبون يحجون البيت العتيق". هذا حديث غريب من هذا الوجه، لم يخرجه أحد منهم (5) يقول تعالى: {و} قد أرسلنا {لوطا} أو تقديره: {و} اذكر {لوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين} ولوط هو ابن هاران بن آزر، وهو ابن أخي إبراهيم الخليل، عليهما (6) السلام، وكان قد آمن مع إبراهيم، عليه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ثلاثة. وقيل: إنه لم تهلك أمة ونبيها بين أظهرها، فأخبر الله جل ثناؤه عن خروج صالح من بين قومه الذين عتوا على ربهم حين أراد الله إحلال عقوبته بهم، فقال: فتولى عنهم صالح، وقال لقومه ثمود: لقد أبلغتكم رسالة ربي، وأديت إليكم ما أمرني بأدائه إليكم ربي من أمره ونهيه، ونصحت لكم في أدائي رسالة الله إليكم في تحذيركم بأسه بإقامتكم على كفركم به وعبادتكم الأوثان. {ولكن لا تحبون الناصحين} [الأعراف: 79] لكم في الله، الناهين لكم عن اتباع أهوائكم، الصادين لكم عن شهوات أنفسكم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٠/٣٠٤) ↗التحرير والتنوير
ومعنى: كأن لم يغنوا فيها تشبيه حالة استيصالهم وعفاء آثارهم بحال من لم تسبق لهم حياة، يقال: غني بالمكان كرضي أقام، ولذلك سمي مكان القوم مغنى. قال ابن عطية: «الذي استقريت من أشعار العرب أن غني معناه: أقام إقامة مقترنة بتنعم عيش ويشبه أن تكون مأخوذة من الاستغناء» أي كأن لم تكن لهم إقامة، وهذا إنما يعنى به انمحاء آثارهم كما قال: فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس [يونس: 24] ، وهو يرجح أن يكون أصابهم زلزال مع الصواعق بحيث احترقت أجسادهم وخسف لهم في الأرض وانقلبت ديارهم في باطن الأرض ولم يبق شيء أو بقي شيء قليل. فهذا هو وجه التشبيه، وليس وجه التشبيه حالة موتهم لأن ذلك حاصل في كل ميت ولا يختص بأمثال مدين، وهذا مثل قوله تعالى: فهل ترى لهم من باقية [الحاقة: 8] . وتقديم المسند إليه في قوله: الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين إذا اعتبرت كانوا فعلا، واعتبر المسند فعليا فهو تقديم لإفادة تقوي الحكم، وإن اعتبرت (كان) بمنزلة الرابطة، وهو الظاهر، فالتقوي حاصل من معنى الثبوت الذي تفيده الجملة الاسمية. والتكرير لقوله: الذين كذبوا شعيبا للتعديد وإيقاظ السامعين، وهم مشركو العرب، ليتقوا عاقبة أمثالهم في الشرك والتكذيب على طريقة التعريض، كما وقع التصريح بذلك في قوله تعالى: وللكافرين أمثالها [محمد: 10] . وضمير الفصل في قوله: كانوا هم الخاسرين يفيد القصر وهو قصر إضافي، أي دون الذين اتبعوا شعيبا، وذلك لإظهار سفه قول الملأ للعامة لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون توقيفا للمعتبرين بهم على تهافت أقوالهم وسفاهة رأيهم، وتحذيرا لأمثالهم من الوقوع في ذلك الضلال. [93] فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين (93) تقدم تفسير نظير هذه الآية إلى قوله: ونصحت لكم من قصة ثمود، وتقدم
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٩/١٤) ↗