سورة الأعراف · الآية ٣٩
﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
فقالت لهم الملائكة { ادخلوا في أمم } أي: في جملة أمم { قد خلت من قبلكم من الجن والإنس } أي: مضوا على ما مضيتم عليه من الكفر والاستكبار، فاستحق الجميع الخزي والبوار، كلما دخلت أمة من الأمم العاتية النار { لعنت أختها } كما قال تعالى: يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا [العنكبوت: 25] { حتى إذا اداركوا فيها جميعا } أي: اجتمع في النار جميع أهلها، من الأولين والآخرين، والقادة والرؤساء، والمقلدين الأتباع. { قالت أخراهم } أي: متأخروهم، المتبعون للرؤساء { لأولاهم } أي: لرؤسائهم، شاكين إلى الله إضلالهم إياهم: { ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار } أي: عذبهم عذابا مضاعفا لأنهم أضلونا، وزينوا لنا الأعمال الخبيثة. { وقالت أولاهم لأخراهم } أي: الرؤساء قالوا لأتباعهم: { فما كان لكم علينا من فضل } أي: قد اشتركنا جميعا في الغي والضلال، وفي فعل أسباب العذاب، فأي: فضل لكم علينا؟ { قال } الله { لكل } منكم { ضعف } ونصيب من العذاب. { فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون } ولكنه من المعلوم أن عذاب الرؤساء وأئمة الضلال، أبلغ وأشنع من عذاب الأتباع، كما أن نعيم أئمة الهدى ورؤسائه أعظم من ثواب الأتباع، قال تعالى: الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون [النحل: 88] فهذه الآيات ونحوها، دلت على أن سائر أنواع المكذبين بآيات الله، مخلدون في العذاب، مشتركون فيه وفي أصله، وإن كانوا متفاوتين في مقداره، بحسب أعمالهم وعنادهم وظلمهم وافترائهم، وأن مودتهم التي كانت بينهم في الدنيا تنقلب يوم القيامة عداوة وملاعنة.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الأعراف ٣٨–٣٩) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب * وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار} [البقرة:166، 167] . وقوله [تعالى] (1) {حتى إذا اداركوا فيها جميعا} أي: اجتمعوا فيها كلهم، {قالت أخراهم لأولاهم} أي: أخراهم دخولا -وهم الأتباع -لأولاهم -وهم المتبوعون -لأنهم أشد جرما من أتباعهم، فدخلوا قبلهم، فيشكوهم (2) الأتباع إلى الله يوم القيامة؛ لأنهم هم الذين أضلوهم عن سواء السبيل، فيقولون: {ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار} أي: أضعف عليهم العقوبة، كما قال تعالى: {يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا * وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا * ربنا آتهم ضعفين من العذاب [والعنهم لعنا كبيرا (3) ] } [الأحزاب:66-68] وقوله: {قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون} أي: قد فعلنا ذلك وجازينا كلا بحسبه، كما قال تعالى: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا [فوق العذاب بما كانوا يفسدون (4) ] } [النحل:88] وقال تعالى: {وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم [وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون (5) ] } [العنكبوت:13] وقال: {ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم [ألا ساء ما يزرون (6) ] } [النحل:25] {وقالت أولاهم لأخراهم} أي: قال المتبوعون للأتباع: {فما كان لكم علينا من فضل} قال السدي: فقد ضللتم كما ضللنا. {فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون} وهذا الحال كما أخبر الله تعالى عنهم في حال محشرهم، في قوله تعالى: {ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين * قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين * وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
علينا من فضل} [الأعراف: 39] وقد علمتم ما حل بنا من عقوبة الله بمعصيتنا إياه وكفرنا به، وجاءتنا وجاءتكم بذلك الرسل والنذر، هل انتهيتم إلى طاعة الله، وارتدعتم عن غوايتكم وضلالتكم؟ فانقضت حجة القوم وخصموا ولم يطيقوا جوابا بأن يقولوا فضلنا عليكم أنا اعتبرنا بكم فآمنا بالله وصدقنا رسله، قال الله لجميعهم: فذوقوا جميعكم أيها الكفرة عذاب جهنم بما كنتم في الدنيا تكسبون من الآثام والمعاصي، وتجترحون من الذنوب والأجرام. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٠/١٨٠) ↗التحرير والتنوير
… خاطبهم بعنوان كونهم مرسلين عند تبين أن مجيئهم ليس لمجرد البشارة، فلذلك قال: فما خطبكم، وكما في قوله تعالى: أرأيتك هذا الذي كرمت علي [الإسراء: 62]- بعد قوله- قال أأسجد لمن خلقت طينا [الإسراء: 61] فإنه قال قوله الثاني بعد الإنظار المترتب على استنظاره الذي لم يصرح به اكتفاء بما ذكر في مواضع أخرى، هذا حاصل كلامه في مواضع، والتوجيه الثاني مردود إذ لا يلزم في حكاية الأقوال الإحاطة ولا الاتصال. والذي أراه أن هذا ليس أسلوبا في حكاية القول يتخير فيه البليغ، وأنه مساو للعطف بثم، وللجمع بين حرف العطف وإعادة فعل القول، كما في قوله تعالى: وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل [الأعراف: 39]- بعد قوله- قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا [الأعراف: 38] ، فإذا لم يكن كذلك كان توجيه إعادة فعل القول، وكونه مستأنفا: إنه استئناف ابتدائي للاهتمام بالخبر، إيذانا بتغير الخطاب بأن يكون بين الخطابين تخالف ما، فالمخاطب بالأول آدم وزوجه والشيطان، والمخاطب بالثاني آدم وزوجه وأبناؤهما، فإن كان هذا الخطاب قبل حدوث الذرية لهما كما هو ظاهر السياق فهو خطاب لهما بإشعارهما أنهما أبوا خلق كثير: كلهم هذا حالهم، وهو من تغليب الموجود على من لم يوجد، وإن كان قد وقع بعد وجود الذرية لهما فوجه الفصل أظهر وأجدر، والقرينة على أن إبليس غير داخل في الخطاب هو قوله: ومنها تخرجون لأن الإخراج من الأرض يقتضي سبق الدخول في باطنها، وذلك هو الدفن بعد الموت، والشياطين لا يدفنون. وقد أمهل الله إبليس بالحياة إلى يوم البعث فهو يحشر حينئذ أو يموت ويبعث، ولا يعلم ذلك إلا الله تعالى. وقد جعل تغيير الأسلوب وسيلة للتخلص إلى توجيه الخطاب إلى بني آدم عقب هذا. وقد دل جمع الضمير على كلام مطوي بطريقة الإيجاز: وهو أن آدم وزوجه استقرا في الأرض، وتظهر لهما ذرية، وأن الله أعلمهم بطريق من طرق الإعلام الإلهي بأن الأرض قرارهم، ومنها …
أكمل القراءة في الكتاب ↗