سورة الأعراف · الآية ٢٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى مبينا لقبح حال المشركين الذين يفعلون الذنوب، وينسبون أن الله أمرهم بها. { وإذا فعلوا فاحشة } وهي: كل ما يستفحش ويستقبح، ومن ذلك طوافهم بالبيت عراة { قالوا وجدنا عليهآ آباءنا } وصدقوا في هذا. { والله أمرنا بها } وكذبوا في هذا، ولهذا رد الله عليهم هذه النسبة فقال: { قل إن الله لا يأمر بالفحشآء } أي: لا يليق بكماله وحكمته أن يأمر عباده بتعاطي الفواحش، لا هذا الذي يفعله المشركون ولا غيره { أتقولون على الله ما لا تعلمون } وأي افتراء أعظم من هذا؟!! ثم ذكر ما يأمر به، فقال: { قل أمر ربي بالقسط } أي: بالعدل في العبادات والمعاملات، لا بالظلم والجور. { وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد } أي: توجهوا لله، واجتهدوا في تكميل العبادات، خصوصا " الصلاة " أقيموها، ظاهرا وباطنا، ونقوها من كل نقص ومفسد. { وادعوه مخلصين له الدين } أي: قاصدين بذلك وجهه وحده لا شريك له. والدعاء يشمل دعاء المسألة، ودعاء العبادة، أي: لا تراؤوا ولا تقصدوا من الأغراض في دعائكم سوى عبودية الله ورضاه. { كما بدأكم } أول مرة { تعودون } للبعث، فالقادر على بدء خلقكم، قادر على إعادته، بل الإعادة أهون من البداءة. { فريقا } منكم { هدى } الله، أي: وفقهم للهداية، ويسر لهم أسبابها، وصرف عنهم موانعها. { وفريقا حق عليهم الضلالة } أي: وجبت عليهم الضلالة بما تسببوا لأنفسهم وعملوا بأسباب الغواية. ف { إنهم اتخذوا الشياطين أوليآء من دون الله } ومن يتخذ الشيطن وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا [النساء: 119] فحين انسلخوا من ولاية الرحمن، واستحبوا ولاية الشيطان، حصل لهم النصيب الوافر من الخذلان، ووكلوا إلى أنفسهم فخسروا أشد الخسران. وهم يحسبون أنهم مهتدون، لأنهم انقلبت عليهم الحقائق، فظنوا الباطل حقا والحق باطلا، وفي هذه الآيات دليل على أن الأوامر والنواهي تابعة للحكمة والمصلحة، حيث ذكر تعالى أنه لا يتصور أن يأمر بما تستفحشه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وادعوه مخلصين له الدين} أي: أمركم بالاستقامة في عبادته في محالها، وهي متابعة المرسلين المؤيدين بالمعجزات فيما أخبروا به عن الله [تعالى] (1) وما جاءوا به [عنه] (2) من الشرائع، وبالإخلاص له في عبادته، فإنه تعالى لا يتقبل العمل حتى يجمع هذين الركنين: أن يكون صوابا موافقا للشريعة، وأن يكون خالصا من الشرك. وقوله تعالى: {كما بدأكم تعودون. [فريقا هدى وفريقا حق عليهم] (3) الضلالة} (4) -اختلف في معنى [قوله تعالى] {كما بدأكم تعودون} فقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {كما بدأكم تعودون} يحييكم بعد موتكم. وقال الحسن البصري: كما بدأكم في الدنيا، كذلك تعودون يوم القيامة أحياء. وقال قتادة: {كما بدأكم تعودون} قال: بدأ فخلقهم ولم يكونوا شيئا، ثم ذهبوا، ثم يعيدهم. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كما بدأكم أولا كذلك يعيدكم آخرا. واختار هذا القول أبو جعفر بن جرير، وأيده بما رواه من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج، كلاهما عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال: "يا أيها الناس، إنكم تحشرون (5) إلى الله حفاة عراة غرلا {كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين} [الأنبياء: 104] . وهذا الحديث مخرج في الصحيحين، من حديث شعبة، وفي حديث البخاري -أيضا -من حديث الثوري به. (6) وقال وقاء بن إياس أبو يزيد، عن مجاهد: {كما بدأكم تعودون} قال: يبعث المسلم مسلما، والكافر كافرا. وقال أبو العالية: {كما بدأكم تعودون} ردوا إلى علمه فيهم. وقال سعيد بن جبير: {كما بدأكم تعودون} كما كتب عليكم تكونون -وفي رواية: كما كنتم تكونون عليه تكونون. وقال محمد بن كعب القرظي في قوله تعالى: {كما بدأكم تعودون} من ابتدأ الله خلقه على الشقاوة صار إلى ما ابتدئ عليه خلقه، وإن عمل بأعمال أهل السعادة، كما أن إبليس عمل بأعمال أهل السعادة، ثم صار إلى ما ابتدئ عليه خلقه. …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٠/١٣٧) ↗التحرير والتنوير
… سواء كان التصوير مقارنا للخلق كما في خلق آدم، أم كان بعد الخلق بمدة، كما في تصوير الأجنة من عظام ولحم وعصب وعروق ومشاعر، كقوله تعالى: فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما [المؤمنون: 14] . وتعدية فعلي (خلقنا) و (صورنا) إلى ضمير الخطاب ينتظم في سلك ما عاد إليه الضمير قبله في قوله: ولقد مكناكم في الأرض [الأعراف: 10] الآية فالخطاب للناس كلهم توطئة لقوله فيما يأتي: يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة [الأعراف: 27] والمقصود بالخصوص منه المشركون لأنهم الذين سول لهم الشيطان كفران هذه النعم لقوله تعالى عقب ذلك: وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا [الأعراف: 28] وقوله فيما تقدم: اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون [الأعراف: 3] . وأما تعلق فعلي الخلق والتصوير بضمير المخاطبين فمراد منه أصل نوعهم الأول وهو آدم بقرينة تعقيبه بقوله: ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فنزل خلق أصل نوعهم منزلة خلق أفراد النوع الذين منهم المخاطبون لأن المقصود التذكير بنعمة الإيجاد ليشكروا موجدهم ونظيره قوله تعالى: إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية [الحاقة: 11] أي حملنا أصولكم وهم الذين كانوا مع نوح وتناسل منهم الناس بعد الطوفان، لأن المقصود الامتنان على المخاطبين بإنجاء أصولهم الذين تناسلوا منهم، ويجوز أن يؤول فعلا الخلق والتصوير بمعنى إرادة حصول ذلك، كقوله تعالى: حكاية عن كلام الملائكة مع إبراهيم: فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين [الذاريات: 35] أي أردنا إخراج من كان فيها، فإن هذا الكلام وقع قبل أمر لوط ومن آمن به بالخروج من القرية. ودل قوله: ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم على أن المخلوق والمصور هو آدم، ومعنى الكلام خلقنا أصلكم وصورناه فبرز موجودا معينا مسمى بآدم، فإن التسمية طريق لتعيين المسمى، ثم أظهرنا فضله وبديع صنعنا فيه فقلنا للملائكة اسجدوا له …
أكمل القراءة في الكتاب ↗