سورة الأعراف · الآية ٢٠٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
الذكر لله تعالى يكون بالقلب، ويكون باللسان، ويكون بهما، وهو أكمل أنواع الذكر وأحواله، فأمر الله عبده ورسوله محمدا أصلا وغيره تبعا بذكر ربه في نفسه، أي: مخلصا خاليا. { تضرعا } أي: متضرعا بلسانك، مكررا لأنواع الذكر، { وخيفة } في قلبك بأن تكون خائفا من الله، وجل القلب منه، خوفا أن يكون عملك غير مقبول، وعلامة الخوف أن يسعى ويجتهد في تكميل العمل وإصلاحه، والنصح به. { ودون الجهر من القول } أي: كن متوسطا، لا تجهر بصلاتك، ولا تخافت بها، وابتغ بين ذلك سبيلا. { بالغدو } أول النهار { والآصال } آخره، وهذان الوقتان لذكر الله فيهما مزية وفضيلة على غيرهما. { ولا تكن من الغافلين } الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم، فإنهم حرموا خير الدنيا والآخرة، وأعرضوا عمن كل السعادة والفوز في ذكره وعبوديته، وأقبلوا على من كل الشقاوة والخيبة في الاشتغال به، وهذه من الآداب التي ينبغي للعبد أن يراعيها حق رعايتها، وهي الإكثار من ذكر الله آناء الليل والنهار، خصوصا طرفي النهار، مخلصا خاشعا متضرعا، متذللا ساكنا، وتواطئا عليه قلبه ولسانه، بأدب ووقار، وإقبال على الدعاء والذكر، وإحضار له بقلبه وعدم غفلة، فإن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه. ثم ذكر تعالى أن له عبادا مستديمين لعبادته، ملازمين لخدمته وهم الملائكة، فلتعلموا أن الله لا يريد أن يتكثر بعبادتكم من قلة، ولا ليتعزز بها من ذلة، وإنما يريد نفع أنفسكم، وأن تربحوا عليه أضعاف أضعاف ما عملتم، فقال: { إن الذين عند ربك } من الملائكة المقربين، وحملة العرش والكروبيين { لا يستكبرون عن عبادته } بل يذعنون لها وينقادون لأوامر ربهم { ويسبحونه } الليل والنهار لا يفترون. { وله } وحده لا شريك له { يسجدون } فليقتد العباد بهؤلاء الملائكة الكرام، وليداوموا [على] عبادة الملك العلام.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الأعراف ٢٠٥–٢٠٦) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… الكريمة: {ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين} وقد زعم ابن جرير وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم قبله: أن المراد بهذه الآية: أمر السامع للقرآن في حال استماعه بالذكر على هذه الصفة. وهذا بعيد مناف للإنصات المأمور به، ثم المراد بذلك في الصلاة، كما تقدم، أو الصلاة والخطبة، ومعلوم أن الإنصات إذ ذاك أفضل من الذكر باللسان، سواء كان سرا أو جهرا، فهذا الذي قالاه لم يتابعا عليه، بل المراد الحض على كثرة الذكر من العباد بالغدو والآصال، لئلا يكونوا من الغافلين؛ ولهذا مدح الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، فقال: {إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته [ويسبحونه وله يسجدون] } (5) وإنما ذكرهم بهذا ليتشبه بهم في كثرة طاعتهم وعبادتهم؛ ولهذا شرع لنا السجود هاهنا لما ذكر سجودهم لله، عز وجل، كما جاء في الحديث: "ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها، يتمون الصفوف الأول، ويتراصون في الصف" (6) وهذه أول سجدة في القرآن، مما يشرع لتاليها ومستمعها السجود بالإجماع. وقد ورد في حديث رواه ابن ماجه، عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عدها في سجدات القرآن (7) آخر [تفسير] (8) سورة الأعراف، ولله الحمد والمنة.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٣/٥٣٩) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
عن التواضع له والتخشع، وذلك هو العبادة
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٠/٦٧١) ↗التحرير والتنوير
إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون (206) تتنزل منزلة العلة للأمر بالذكر، ولذلك صدرت ب إن التي هي لمجرد الاهتمام بالخبر، لا لرد تردد أو إنكار، لأن المخاطب منزه عن أن يتردد في خبر الله تعالى، فحرف التوكيد في مثل هذا المقام يغني غناء فاء التفريع، ويفيد التعليل كما تقدم غير مرة، والمعنى: الحث على تكرر ذكر الله في مختلف الأحوال، لأن المسلمين مأمورون بالاقتداء بأهل الكمال من الملأ الأعلى، وفيها تعريض بالمشركين المستكبرين عن عبادة الله بأنهم منحطون عن تلك الدرجات. والمراد ب الذين عند ربك الملائكة، ووجه جعل حال الملائكة علة لأمر النبيء صلى الله عليه وسلم بالذكر: أن مرتبة الرسالة تلحق صاحبها من البشر برتبة الملائكة، فهذا التعليل بمنزلة أن يقال: اذكر ربك لأن الذكر هو شأن قبيلك، كقول ابن دارة سالم بن مسافع: فإن تتقوا شرا فمثلكم اتقى ... وإن تفعلوا خيرا فمثلكم فعل فليس في هذا التعليل ما يقتضي أن يكون الملائكة أفضل من الرسل، كما يتوهمه المعتزلة لأن التشبه بالملائكة من حيث كان الملائكة أسبق في هذا المعنى لكونه حاصلا منهم بالجبلة فهم مثل فيه، ولا شبهة في أن الفريق الذين لم يكونوا مجبولين على ما جبلت عليه الملائكة، إذا تخلقوا بمثل خلق الملائكة، كان سموهم إلى تلك المرتبة أعجب، واستحقاقهم الشكر والفضل له أجدر. ووجه العدول عن لفظ الملائكة إلى الموصولية: ما تؤذن به الصلة من رفعة منزلتهم، فيتذرع بذلك إلى إيجاد المنافسة في التخلق بأحوالهم. وعند مستعمل مجازا في رفعة المقدار، والحظوة الإلهية. وقوله: لا يستكبرون عن عبادته ليس المقصود به التنويه بشأن الملائكة لأن التنويه بهم يكون بأفضل من ذلك، وإنما أريد به التعريض بالمشركين وأنهم على النقيض من أحوال الملائكة المقربين، فخليق بهم أن يكونوا بعداء عن منازل
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٩/٢٤٣) ↗