سورة الأعراف · الآية ٢٠٢
﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: أي وقت، وفي أي حال { ينزغنك من الشيطن نزغ } أي: تحس منه بوسوسة وتثبيط عن الخير، أو حث على الشر وإيعاز إليه. { فاستعذ بالله } أي: التجئ واعتصم بالله، واحتم بحماه فإنه { سميع } لما تقول. { عليم } بنيتك وضعفك، وقوة التجائك له، فسيحميك من فتنته، ويقيك من وسوسته، كما قال تعالى: قل أعوذ برب الناس [الناس: 1] إلى آخر السورة. ولما كان العبد لا بد أن يغفل وينال منه الشيطان، الذي لا يزال مرابطا ينتظر غرته وغفلته، ذكر تعالى علامة المتقين من الغاوين، وأن المتقي إذا أحس بذنب، ومسه طائف من الشيطان، فأذنب بفعل محرم أو ترك واجب - تذكر من أي باب أتي، ومن أي مدخل دخل الشيطان عليه، وتذكر ما أوجب الله عليه، وما عليه من لوازم الإيمان، فأبصر واستغفر الله تعالى، واستدرك ما فرط منه بالتوبة النصوح والحسنات الكثيرة، فرد شيطانه خاسئا حسيرا، قد أفسد عليه كل ما أدركه منه. وأما إخوان الشياطين وأولياؤهم، فإنهم إذا وقعوا في الذنوب، لا يزالون يمدونهم في الغي ذنبا بعد ذنب، ولا يقصرون عن ذلك، فالشياطين لا تقصر عنهم بالإغواء، لأنها طمعت فيهم حين رأتهم سلسي القياد لها، وهم لا يقصرون عن فعل الشر.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الأعراف ٢٠٠–٢٠٢) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يخبر تعالى عن المتقين من عباده الذين أطاعوه فيما أمر، وتركوا ما عنه زجر، أنهم {إذا مسهم} أي: أصابهم "طيف" وقرأ آخرون: "طائف"، وقد جاء فيه حديث، وهما قراءتان مشهورتان، فقيل: بمعنى واحد. وقيل: بينهما فرق، ومنهم من فسر ذلك بالغضب، ومنهم من فسره بمس الشيطان بالصرع ونحوه، ومنهم من فسره بالهم بالذنب، ومنهم من فسره بإصابة الذنب. وقوله: {تذكروا} أي: عقاب الله وجزيل ثوابه، ووعده ووعيده، فتابوا وأنابوا، واستعاذوا بالله ورجعوا إليه من قريب. {فإذا هم مبصرون} أي: قد استقاموا وصحوا مما كانوا فيه. وقد أورد (1) الحافظ أبو بكر بن مردويه هاهنا حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: جاءت امرأة إلى النبي (2) صلى الله عليه وسلم وبها طيف فقالت: يا رسول الله، ادع الله أن يشفيني. فقال: "إن شئت دعوت الله فشفاك، وإن شئت فاصبري ولا حساب عليك". فقالت: بل أصبر، ولا حساب علي. ورواه غير واحد من أهل السنن، وعندهم: قالت (3) يا رسول الله، إني أصرع وأتكشف، فادع الله أن يشفيني. فقال (4) إن شئت دعوت الله أن يشفيك، وإن شئت صبرت ولك الجنة؟ " فقالت: بل أصبر، ولي الجنة، ولكن (5) ادع الله أن لا أتكشف، فدعا لها، فكانت لا تتكشف. وأخرجه الحاكم في مستدركه، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه (6) وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة "عمرو بن جامع" من تاريخه: أن شابا كان يتعبد في المسجد، فهويته امرأة، فدعته إلى نفسها، وما (7) زالت به حتى كاد يدخل معها المنزل، فذكر هذه الآية: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} فخر مغشيا عليه، ثم أفاق فأعادها، فمات. فجاء عمر فعزى فيه أباه (8) وكان قد دفن ليلا فذهب فصلى على قبره بمن معه، ثم ناداه عمر فقال: يا فتى (9) {ولمن خاف مقام ربه جنتان} [الرحمن:46] وأجابه الفتى من داخل القبر: يا عمر، قد أعطانيهما ربي، عز وجل، في الجنة مرتين …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٠/٦٥٠) ↗التحرير والتنوير
من الشيطان، عند ابتداء إلمام الخواطر الشيطانية بالنفس، لأن تلك الخواطر إذا أمهلت لم تلبث أن تصير عزما ثم عملا. والتعريف في الشيطان يجوز أن يكون تعريف الجنس: أي من الشياطين ويجوز أن يكون تعريف العهد والمراد به إبليس باعتبار أن ما يوسوس به جنده وأتباعه، هو صادر عن أمره وسلطانه. والتذكر استحضار المعلوم السابق، والمراد: تذكروا أوامر الله ووصاياه، كقوله: ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم [آل عمران: 135] ويشمل التذكر تذكر الاستعاذة لمن أمر بها من الأمم الماضية، إن كانت مشروعة لهم، ومن هذه الأمة، فالاقتداء بالذين اتقوا يعم سائر أحوال التذكر للمأمورات. والفاء لتفريع الإبصار على التذكر. وأكد معنى (فاء) التعقيب ب (إذا) الفجائية الدالة على حصول مضمون جملتها دفعة بدون تريث، أي تذكروا تذكر ذوي عزم فلم تتريث نفوسهم أن تبين لها الحق الوازع عن العمل بالخواطر الشيطانية فابتعدت عنها، وتمسكت بالحق، وعملت بما تذكرت، فإذا هم ثابتون على هداهم وتقواهم. وقد استعير الإبصار للاهتداء كما يستعار ضده العمى للضلال، أي: فإذا هم مهتدون ناجون من تضليل الشيطان، لأن الشيطان أراد إضلالهم فسلموا من ذلك ووصفهم باسم الفاعل دون الفعل للدلالة على أن الإبصار ثابت لهم من قبل، وليس شيئا متجددا، ولذلك أخبر عنهم بالجملة الاسمية الدالة على الدوام والثبات. [202] 202] وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون (202) عطف على جملة الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا [الأعراف: 201] عطف الضد على ضده، فإن الضدية مناسبة يحسن بها عطف حال الضد على ضده، فلما ذكر شأن المتقين في دفعهم طائف الشياطين، ذكر شأن أضدادهم من أهل الشرك والضلال، كما وقعت جملة: إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم [البقرة: 6]
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٩/٢٣٣) ↗