البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الحاقة · الآية ٣٥

﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

هؤلاء أهل الشقاء، يعطون كتب أعمالهم السيئة بشمالهم تمييزا لهم وخزيا، وعارا وفضيحة، فيقول أحدهم من الهم والغم والخزي: { يليتني لم أوت كتبيه } لأنه يبشر بدخول النار، والخسارة الأبدية، { ولم أدر ما حسابيه } أي: ليتني كنت نسيا منسيا، ولم أبعث وأحاسب ولهذا قال: { يليتها كانت القاضية } أي: يا ليت موتتي هي الموتة التي لا بعث بعدها. ثم التفت إلى ماله وسلطانه، فإذا هو وبال عليه، لم يقدم منه لآخرته، ولم ينفعه في الافتداء من عذاب الله، فيقول: { مآ أغنى عني ماليه } أي: ما نفعني لا في الدنيا، لم أقدم منه شيئا، ولا في الآخرة، قد ذهب وقت نفعه. { هلك عني سلطانيه } أي: ذهب واضمحل، فلم تنفع الجنود الكثيرة، ولا العدد الخطيرة، ولا الجاه العريض، بل ذهب ذلك كله أدراج الرياح، وفاتت بسببه المتاجر والأرباح، وحضر بدله الهموم والغموم والأتراح، فحينئذ يؤمر بعذابه فيقال للزبانية الغلاظ الشداد: { خذوه فغلوه } أي: اجعلوا في عنقه غلا يخنقه. { ثم الجحيم صلوه } أي: قلبوه على جمرها ولهبها، { ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا } من سلاسل الجحيم في غاية الحرارة، { فاسلكوه } أي: انظموه فيها بأن تدخل في دبره وتخرج من فمه، ويعلق فيها، فلا يزال يعذب هذا العذاب الفظيع، فبئس العذاب والعقاب، وواحسرة من له التوبيخ والعتاب، فإن السبب الذي أوصله إلى هذا المحل: { إنه كان لا يؤمن بالله العظيم } بأن كان كافرا بربه، معاندا لرسله، رادا ما جاؤوا به من الحق، { ولا يحض على طعام المسكين } أي: ليس في قلبه رحمة يرحم بها الفقراء والمساكين، فلا يطعمهم [من ماله]، ولا يحض غيره على إطعامهم، لعدم الوازع في قلبه، وذلك لأن مدار السعادة ومادتها أمران: الإخلاص لله، الذي أصله الإيمان بالله، والإحسان إلى الخلق، بوجوه الإحسان، الذي من أعظمها، دفع ضرورة المحتاجين، بإطعامهم ما يتقوتون به، وهؤلاء لا إخلاص ولا إحسان، فلذلك استحقوا ما استحقوا. { فليس له …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

وقوله: {فليس له اليوم هاهنا حميم ولا طعام إلا من غسلين لا يأكله إلا الخاطئون} أي: ليس له اليوم من ينقذه من عذاب الله، لا حميم -وهو القريب- ولا شفيع يطاع، ولا طعام له هاهنا إلا من غسلين. قال قتادة: هو شر طعام أهل النار. وقال الربيع، والضحاك: هو شجرة في جهنم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا منصور بن مزاحم، حدثنا أبو سعيد المؤدب، عن خصيف، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: ما أدري ما الغسلين، ولكني أظنه الزقوم. وقال شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: الغسلين: الدم والماء يسيل من لحومهم. وقال علي بن أبي طلحة عنه: الغسلين: صديد أهل النار. يقول تعالى مقسما لخلقه بما يشاهدونه من آياته في مخلوقاته الدالة على كماله في أسمائه وصفاته، وما غاب عنهم مما لا يشاهدونه من المغيبات عنهم: إن القرآن كلامه ووحيه وتنزيله على عبده ورسوله، الذي اصطفاه لتبليغ الرسالة وأداء الأمانة، فقال: {فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إنه لقول رسول كريم} يعني: محمدا، أضافه إليه على معنى التبليغ؛ لأن الرسول من شأنه أن يبلغ عن المرسل؛ ولهذا أضافه في سورة التكوير إلى الرسول الملكي: {إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين} وهذا جبريل، عليه السلام. ثم قال: {وما صاحبكم بمجنون} يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم {ولقد رآه بالأفق المبين} يعني: أن محمدا رأى جبريل على صورته التي خلقه الله عليها، {وما هو على الغيب بضنين} أي: بمتهم {وما هو بقول شيطان رجيم} [التكوير: 19 -25] ، وهكذا قال هاهنا: {وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون} ، فأضافه تارة إلى قول الرسول الملكي، وتارة إلى الرسول البشري؛ لأن كلا منهما مبلغ عن الله ما استأمنه عليه من وحيه وكلامه؛ ولهذا قال: {تنزيل من رب العالمين} قال الإمام أحمد: حدثنا ابن المغيرة، حدثنا صفوان، حدثنا شريح بن عبيد الله قال: قال عمر بن الخطاب: خرجت …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٢٣٩) ↗

التحرير والتنوير

وضمير ليتها عائد إلى معلوم من السياق، أي ليت حالتي، أو ليت مصيبتي كانت القاضية. والقاضية: الموت وهو معنى قوله تعالى: يقول الكافر يا ليتني كنت ترابا [النبأ: 40] ، أي مقبورا في التراب. وجملة يا ليتها كانت القاضية من الكلام الصالح لأن يكون مثلا لإيجازه ووفرة دلالته ورشاقة معناه عبر بها عما يقوله من أوتي كتابه بشماله من التحسر بالعبارة التي يقولها المتحسر في الدنيا بكلام عربي يؤدي المعنى المقصود. ونظيره ما حكي عنهم في قوله تعالى: دعوا هنالك ثبورا [الفرقان: 13] وقوله: يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا [الفرقان: 28] وقوله: يا ويلتنا مال هذا الكتاب الآية [الكهف: 49] . ثم أخذ يتحسر على ما فرط فيه من الخير في الدنيا بالإقبال على ما لم يجده في العالم الأبدي فقال: ما أغنى عني ماليه، أي يقول ذلك من كان ذا مال وذا سلطان من ذلك الفريق من جميع أهل الإشراك والكفر، فما ظنك بحسرة من اتبعوهم واقتدوا بهم إذا رأوهم كذلك، وفي هذا تعريض بسادة مشركي العرب مثل أبي جهل وأمية بن خلف قال تعالى: وذرني والمكذبين أولي النعمة [المزمل: 11] . وفي أغنى عني الجناس الخطي ولو مع اختلاف قليل كما في قولهم «غرك عزك فصار قصارى ذلك ذلك» . ومعنى هلاك السلطان: عدم الانتفاع به يومئذ فهو هلاك مجازي. وضمن هلك معنى (غاب) فعدي ب (عن) ، أي لم يحضرني سلطاني الذي عهدته. والقول في هاءات كتابيه، وحسابيه، وماليه، وسلطانيه، كالقول فيما تقدم إلا أن حمزة وخلفا قرآ هنا ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه بدون هاء في حالة الوصل. [30- 37] 37] خذوه فغلوه (30) ثم الجحيم صلوه (31) ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه (32) إنه كان لا يؤمن بالله العظيم (33) ولا يحض على طعام المسكين (34) فليس له اليوم هاهنا حميم (35) ولا طعام إلا من غسلين (36) لا يأكله إلا الخاطؤن

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/١٣٦) ↗