البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الحاقة · الآية ٣

﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

{ الحاقة } من أسماء يوم القيامة، لأنها تحق وتنزل بالخلق، وتظهر فيها حقائق الأمور، ومخبآت الصدور، فعظم تعالى شأنها وفخمه، بما كرره من قوله: { الحاقة * ما الحآقة * ومآ أدراك ما الحاقة } فإن لها شأنا عظيما، وهولا جسيما، [ومن عظمتها أن الله أهلك الأمم المكذبة بها بالعذاب العاجل]، ثم ذكر نموذجا من أحوالها الموجودة في الدنيا المشاهدة فيها، وهو ما أحله من العقوبات البليغة بالأمم العاتية، فقال: { كذبت ثمود } وهم القبيلة المشهورة، سكان الحجر، الذين أرسل الله إليهم رسوله صالحا عليه السلام، ينهاهم عما هم عليه من الشرك، ويأمرهم بالتوحيد، فردوا دعوته وكذبوه، وكذبوا ما أخبرهم به من يوم القيامة، وهي القارعة التي تقرع الخلق بأهوالها، وكذلك عاد الأولى، سكان حضرموت، حين بعث الله إليهم رسوله هودا عليه الصلاة والسلام، يدعوهم إلى عبادة الله [وحده]، فكذبوه، وكذبوا بما أخبر به من البعث، فأهلك الله الطائفتين بالهلاك المعجل { فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية } وهي الصيحة العظيمة الفظيعة، التي انصدعت منها قلوبهم، وزهقت لها أرواحهم فأصبحوا موتى لا يرى إلا مساكنهم وجثثهم، { وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر } أي: قوية شديدة الهبوب لها صوت أبلغ من صوت الرعد [القاصف]، { عاتية } [أي: ] عتت على خزانها، على قول كثير من المفسرين، أو عتت على عاد، وزادت على الحد كما هو الصحيح، { سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما } أي: نحسا وشرا فظيعا عليهم، فدمرتهم وأهلكتهم، { فترى القوم فيها صرعى } أي: هلكى موتى { كأنهم أعجاز نخل خاوية } أي: كأنهم جذوع النخل التي قد قطعت رؤوسها الخاوية، الساقط بعضها على بعض، { فهل ترى لهم من باقية } وهذا استفهام بمعنى النفي المتقرر.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الحاقة ١–٨) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

قال ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والثوري، وغير واحد {حسوما} متتابعات. وعن عكرمة والربيع: مشائيم عليهم، كقوله: {في أيام نحسات} [فصلت: 16] قال الربيع: وكان أولها الجمعة. وقال غيره الأربعاء. ويقال: إنها التي تسميها الناس الأعجاز؛ وكأن الناس أخذوا ذلك من قوله تعالى: {فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية} وقيل: لأنها تكون في عجز الشتاء، ويقال: أيام العجوز؛ لأن عجوزا من قوم عاد دخلت سربا فقتلها الريح في اليوم الثامن. حكاه البغوي (1) والله أعلم. قال ابن عباس: {خاوية} خربة. وقال غيره: بالية، أي: جعلت الريح تضرب بأحدهم الأرض فيخر ميتا على أم رأسه، فينشدخ رأسه وتبقى جثته هامدة كأنها قائمة النخلة إذا خرت بلا أغصان. وقد ثبت في الصحيحين، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور" (2) . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن يحيى بن الضريس العبدي، حدثنا ابن فضيل، عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما فتح الله على عاد من الريح التي أهلكوا فيها إلا مثل موضع الخاتم، فمرت بأهل البادية فحملتهم ومواشيهم وأموالهم، فجعلتهم بين السماء والأرض. فلما رأى ذلك أهل الحاضرة الريح (3) وما فيها قالوا: هذا عارض ممطرنا. فألقت أهل البادية ومواشيهم على أهل الحاضرة" (4) . وقال الثوري عن ليث، عن مجاهد: الريح لها جناحان وذنب. {فهل ترى لهم من باقية} ؟ أي: هل تحس منهم من أحد من بقاياهم أنه (5) ممن ينتسب إليهم؟ بل بادوا عن آخرهم ولم يجعل الله لهم خلفا. ثم قال تعالى: {وجاء فرعون ومن قبله} قرئ بكسر القاف، أي: ومن عنده في زمانه من أتباعه من كفار القبط. وقرأ آخرون بفتحها، أي: ومن قبله من الأمم المشبهين له. وقوله: {والمؤتفكات} وهم المكذبون بالرسل. {بالخاطئة} أي بالفعلة الخاطئة، وهي التكذيب بما أنزل الله. قال الربيع: {بالخاطئة} أي: …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

الحاقة متى والحقة متى، وبالكسر بمعنى واحد في اللغات الثلاث، وتقول: وقد حق عليه الشيء إذا وجب، فهو يحق حقوقا. والحاقة الأولى مرفوعة بالثانية، لأن الثانية بمنزلة الكناية عنها، كأنه عجب منها، فقال: الحاقة: ما هي؟ كما يقال: زيد ما زيد. والحاقة الثانية مرفوعة بما، وما بمعنى أي، وما رفع بالحاقة الثانية، ومثله في القرآن {وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين} [الواقعة: 27] ، و {القارعة ما القارعة} [القارعة: 1] فما في موضع رفع بالقارعة الثانية والأولى بجملة الكلام بعدها. وبنحو الذي قلنا في قوله: {الحاقة} [الحاقة: 1] قال أهل التأويل.

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٢٠٥) ↗

التحرير والتنوير

ووجه تسميتها «سورة الحاقة» وقوع هذه الكلمة في أولها ولم تقع في غيرها من سور القرآن. وهي مكية بالاتفاق. ومقتضى الخبر المذكور عن عمر بن الخطاب أنها نزلت في السنة الخامسة قبل الهجرة فإن عمر أسلم بعد هجرة المهاجرين إلى الحبشة وكانت الهجرة إلى الحبشة سنة خمس قبل الهجرة إلى المدينة. وقد عدت هذه السورة السابعة والسبعين في عداد ترتيب النزول. نزلت بعد سورة تبارك وقبل سورة المعارج. واتفق العادون من أهل الأمصار على عد آيها إحدى وخمسين آية. اشتملت هذه السورة على تهويل يوم القيامة، وتهديد المكذبين بوقوعه. وتذكيرهم بما حل بالأمم التي كذبت به من عذاب في الدنيا ثم عذاب الآخرة وتهديد المكذبين لرسل الله تعالى بالأمم التي أشركت وكذبت. وأدمج في ذلك أن الله نجى المؤمنين من العذاب، وفي ذلك تذكير بنعمة الله على البشر إذ أبقى نوعهم بالإنجاء من الطوفان. ووصف أهوال من الجزاء وتفاوت الناس يومئذ فيه. ووصف فظاعة حال العقاب على الكفر وعلى نبذ شريعة الإسلام، والتنويه بالقرآن. وتنزيه الرسول صلى الله عليه وسلم وعن أن يكون غير رسول. وتنزيه الله تعالى عن أن يقر من يتقول عليه. وتثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم. وإنذار المشركين بتحقيق الوعيد الذي في القرآن. [1- 3] بسم الله الرحمن الرحيم الحاقة (1) ما الحاقة (2) وما أدراك ما الحاقة (3) الحاقة صيغة فاعل من: حق الشيء إذا ثبت وقوعه، والهاء فيها لا تخلو عن

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/١١١) ↗