سورة الحاقة · الآية ٢٥
﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هؤلاء أهل الشقاء، يعطون كتب أعمالهم السيئة بشمالهم تمييزا لهم وخزيا، وعارا وفضيحة، فيقول أحدهم من الهم والغم والخزي: { يليتني لم أوت كتبيه } لأنه يبشر بدخول النار، والخسارة الأبدية، { ولم أدر ما حسابيه } أي: ليتني كنت نسيا منسيا، ولم أبعث وأحاسب ولهذا قال: { يليتها كانت القاضية } أي: يا ليت موتتي هي الموتة التي لا بعث بعدها. ثم التفت إلى ماله وسلطانه، فإذا هو وبال عليه، لم يقدم منه لآخرته، ولم ينفعه في الافتداء من عذاب الله، فيقول: { مآ أغنى عني ماليه } أي: ما نفعني لا في الدنيا، لم أقدم منه شيئا، ولا في الآخرة، قد ذهب وقت نفعه. { هلك عني سلطانيه } أي: ذهب واضمحل، فلم تنفع الجنود الكثيرة، ولا العدد الخطيرة، ولا الجاه العريض، بل ذهب ذلك كله أدراج الرياح، وفاتت بسببه المتاجر والأرباح، وحضر بدله الهموم والغموم والأتراح، فحينئذ يؤمر بعذابه فيقال للزبانية الغلاظ الشداد: { خذوه فغلوه } أي: اجعلوا في عنقه غلا يخنقه. { ثم الجحيم صلوه } أي: قلبوه على جمرها ولهبها، { ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا } من سلاسل الجحيم في غاية الحرارة، { فاسلكوه } أي: انظموه فيها بأن تدخل في دبره وتخرج من فمه، ويعلق فيها، فلا يزال يعذب هذا العذاب الفظيع، فبئس العذاب والعقاب، وواحسرة من له التوبيخ والعتاب، فإن السبب الذي أوصله إلى هذا المحل: { إنه كان لا يؤمن بالله العظيم } بأن كان كافرا بربه، معاندا لرسله، رادا ما جاؤوا به من الحق، { ولا يحض على طعام المسكين } أي: ليس في قلبه رحمة يرحم بها الفقراء والمساكين، فلا يطعمهم [من ماله]، ولا يحض غيره على إطعامهم، لعدم الوازع في قلبه، وذلك لأن مدار السعادة ومادتها أمران: الإخلاص لله، الذي أصله الإيمان بالله، والإحسان إلى الخلق، بوجوه الإحسان، الذي من أعظمها، دفع ضرورة المحتاجين، بإطعامهم ما يتقوتون به، وهؤلاء لا إخلاص ولا إحسان، فلذلك استحقوا ما استحقوا. { فليس له …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
أي: يأمر الزبانية أن تأخذه عنفا من المحشر، فتغله، أي: تضع الأغلال في عنقه، ثم تورده إلى جهنم فتصليه إياها، أي: تغمره فيها. قال ابن أبي حاتم حدثنا: أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد، عن عمرو بن قيس، عن المنهال بن عمرو قال: إذا قال الله، عز وجل {خذوه} ابتدره سبعون ألف ملك، إن الملك منهم ليقول هكذا، فيلقي سبعين ألفا في النار. وروى ابن أبي الدنيا في "الأهوال": أنه يبتدره أربعمائة ألف، ولا يبقى شيء إلا دقه، فيقول: ما لي ولك؟ فيقول: إن الرب عليك غضبان، فكل شيء غضبان عليك. وقال الفضيل -هو ابن عياض-: إذا قال الرب، عز وجل: {خذوه فغلوه} ابتدره سبعون ألفا ملك، أيهم يجعل الغل في عنقه. {ثم الجحيم صلوه} أي: اغمروه فيها. وقوله: {ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه} قال كعب الأحبار: كل حلقة منها قدر حديد الدنيا. وقال العوفي عن ابن عباس، وابن جرير: بذراع الملك. وقال ابن جريج، قال ابن عباس: {فاسلكوه} تدخل في استه ثم تخرج من فيه، ثم ينظمون فيها كما ينظم الجراد في العود حين يشوى. وقال العوفي، عن ابن عباس: يسلك في دبره حتى يخرج من منخريه، حتى لا يقوم على رجليه. وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، أخبرنا عبد الله، أخبرنا سعيد بن يزيد، عن أبي السمح، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو أن رصاصة مثل هذه -وأشار إلى [مثل] (1) جمجمة-أرسلت من السماء إلى الأرض، وهي مسيرة خمسمائة سنة، لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة، لسارت أربعين خريفا الليل والنهار، قبل أن تبلغ قعرها أو أصلها". وأخرجه الترمذي، عن سويد بن نصر (2) عن عبد الله بن المبارك، به (3) قال: هذا حديث حسن. وقوله: {إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين} أي: لا يقوم بحق الله عليه من طاعته وعبادته، ولا ينفع خلقه ويؤدي حقهم؛ فإن لله على العباد أن يوحدوه ولا يشركوا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
حسابيه.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٢٣٥) ↗التحرير والتنوير
والمراد أنه مقدم سابق لإبانه لينتفع به عند الحاجة إليه، ومنه اشتق السلف للقرض، والإسلاف للإقراض، والسلفة للسلم. والأيام الخالية: الماضية البعيدة مشتق من الخلو وهو الشغور والبعد. [25- 29] 29] وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه (25) ولم أدر ما حسابيه (26) يا ليتها كانت القاضية (27) ما أغنى عني ماليه (28) هلك عني سلطانيه (29) هذا قسيم من أوتي كتابه بيمينه [الحاقة: 19] ، فالقول في إيتائه كتابه بشماله قد عرف وجهه مما تقدم. وتمني كل من أوتي كتابه بشماله أنه لم يؤت كتابه، لأنه علم من الاطلاع على كتابه أنه صائر إلى العذاب فيتمنى أن لا يكون علم بذلك إبقاء على نفسه من حزنها زمنا فإن ترقب السوء عذاب. وجملة ولم أدر ما حسابيه في موضع الحال من ضمير ليتني. والمعنى: أنه كان مكذبا بالحساب وهو مقابل قول الذي أوتي كتابه بيمينه: إني ظننت أني ملاق حسابيه [الحاقة: 20] . وجملة الحال معترضة بين جملتي التمني. ويجوز أن يكون عطفا على التمني، أي يا ليتني لم أدر ما حسابيه، أي لم أعرف كنه حسابي، أي نتيجته، وهذا وإن كان في معنى التمني الذي قبله فإعادته تكرير لأجل التحسر والتحزن. وما استفهامية، والاستفهام بها هو الذي علق فعل أدر عن العمل، ويا ليتها كانت القاضية تمن آخر ولم يعطف على التمني الأول لأن المقصود التحسر والتندم.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/١٣٥) ↗