سورة الحاقة · الآية ٢٢
﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
وهؤلاء هم أهل السعادة، يعطون كتبهم التي فيها أعمالهم الصالحة بأيمانهم، تمييزا لهم، وتنويها بشأنهم، ورفعا لمقدارهم، ويقول أحدهم عند ذلك من الفرح والسرور، ومحبة أن يطلع الخلق على ما من الله عليه به من الكرامة: { هآؤم اقرءوا كتبيه } أي: دونكم كتابي فاقرؤوه فإنه يبشر بالجنات، وأنواع الكرامات، ومغفرة الذنوب، وستر العيوب، والذي أوصلني إلى هذه الحال، ما من الله به علي من الإيمان بالبعث والحساب، والاستعداد له، بالممكن من العمل، ولهذا قال: { إني ظننت أني ملاق حسابيه } أي: أيقنت، فالظن - هنا - [بمعنى] اليقين، { فهو في عيشة راضية } أي: جامعة لما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، وقد رضوها، ولم يختاروا عليها غيرها. { في جنة عالية } المنازل والقصور، عالية المحل. { قطوفها دانية } أي: ثمرها وجناها، من أنواع الفواكه، قريبة، سهلة التناول على أهلها، ينالها أهلها، قياما وقعودا ومتكئين، ويقال لهم إكراما: { كلوا واشربوا } أي: من كل طعام لذيذ، وشراب شهي، { هنيئا } أي: تاما كاملا، من غير مكدر ولا منغص. وذلك الجزاء حصل لكم { بمآ أسلفتم في الأيام الخالية } من الأعمال الصالحة - وترك الأعمال السيئة- من صلاة، وصيام، وصدقة، وحج، وإحسان إلى الخلق، وذكر لله، وإنابة إليه. فالأعمال جعلها الله سببا لدخول الجنة، ومادة لنعيمها، وأصلا لسعادتها.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الحاقة ١٩–٢٤) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… حديث ابن عمر حين سئل عن النجوى، فقال: سمعت النبي الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يدني الله العبد يوم القيامة، فيقرره بذنوبه كلها، حتى إذا رأى أنه قد هلك قال الله: إني سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم. ثم يعطى كتاب حسناته بيمينه، وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد: {هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين} [هود: 18] (3) . وقوله: {إني ظننت أني ملاق حسابيه} أي: قد كنت موقنا في الدنيا أن هذا اليوم كائن لا محالة، كما قال: {الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم} [البقرة: 46] . قال الله: {فهو في عيشة راضية} أي: مرضية، {في جنة عالية} أي: رفيعة قصورها، حسان حورها، نعيمة دورها، دائم حبورها. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو عتبة الحسن بن علي بن مسلم السكوني، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن سعيد بن يوسف، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلام الأسود قال: سمعت أبا أمامة قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل يتزاور أهل الجنة؟ قال: "نعم، إنه ليهبط أهل الدرجة العليا إلى أهل الدرجة السفلى، فيحيونهم ويسلمون عليهم، ولا يستطيع أهل الدرجة السفلى يصعدون إلى الأعلين، تقصر بهم أعمالهم" (4) وقد ثبت في الصحيح: "إن الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض" (5) . وقوله: {قطوفها دانية} قال البراء بن عازب: أي قريبة، يتناولها أحدهم، وهو نائم على سريره. وكذا قال غير واحد. قال الطبراني: [حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري] (6) عن عبد الرزاق، عن سفيان الثوري،
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٢١٤) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
لأن ذلك مدح للعيشة، والعرب تفعل ذلك في المدح والذم فتقول: هذا ليل نائم، وسر كاتم، وماء دافق، فيوجهون الفعل إليه، وهو في الأصل مفعول لما يراد من المدح أو الذم، ومن قال ذلك لم يجز له أن يقول للضارب مضروب، ولا للمضروب ضارب، لأنه لا مدح فيه ولا ذم.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٢٣٣) ↗التحرير والتنوير
ومعنى لا تخفى منكم خافية: لا تخفى على الله ولا على ملائكته. وتأنيث خافية لأنه وصف لموصوف مؤنث يقدر بالفعلة من أفعال العباد، أو يقدر بنفس، أي لا تختبئ من الحساب نفس أي أحد، ولا يلتبس كافر بمؤمن، ولا بار بفاجر. وجملة يومئذ تعرضون مستأنفة، أو هي بيان لجملة فيومئذ وقعت الواقعة، أو بدل اشتمال منها. ومنكم صفة ل خافية قدمت عليه فتكون حالا. وتكرير يومئذ أربع مرات لتهويل ذلك اليوم الذي مبدؤه النفخ في الصور ثم يعقبه ما بعده مما ذكر في الجمل بعده، فقد جرى ذكر ذلك اليوم خمس مرات لأن فيومئذ وقعت الواقعة تكرير ل (إذا) من قوله: فإذا نفخ في الصور إذ تقدير المضاف إليه في يومئذ هو مدلول جملة فإذا نفخ في الصور، فقد ذكر زمان النفخ أولا وتكرر ذكره بعد ذلك أربع مرات. وقرأ الجمهور لا تخفى بمثناة فوقية. وقرأه حمزة والكسائي وخلف بالتحتية لأن تأنيث خافية غير حقيقي، مع وقوع الفصل بين الفعل وفاعله. [19- 24] 24] فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرؤا كتابيه (19) إني ظننت أني ملاق حسابيه (20) فهو في عيشة راضية (21) في جنة عالية (22) قطوفها دانية (23) كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية (24) الفاء تفصيل لما يتضمنه تعرضون [الحاقة: 18] إذ العرض عرض للحساب والجزاء فإيتاء الكتاب هو إيقاف كل واحد على صحيفة أعمال. و (أما) حرف تفصيل وشرط وهو يفيد مفاد (مهما يكن من شيء) ، والمعنى: مهما يكن عرض من أوتي كتابه بيمينه ... فهو في عيشة راضية، وشأن الفاء الرابطة لجوابها أن يفصل بينها وبين (أما) بجزء من جملة الجواب أو بشيء من متعلقات الجواب مهتم به لأنهم لما التزموا حذف فعل الشرط لاندماجه في مدلول (أما) كرهوا اتصال فاء الجواب بأداة الشرط ففصلوا بينهما بفاصل تحسينا لصورة الكلام، فقوله:
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/١٢٩) ↗