سورة القلم · الآية ٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { فلا تطع المكذبين } الذين كذبوك وعاندوا الحق، فإنهم ليسوا أهلا لأن يطاعوا، لأنهم لا يأمرون إلا بما يوافق أهواءهم، وهم لا يريدون إلا الباطل، فالمطيع لهم مقدم على ما يضره، وهذا عام في كل مكذب، وفي كل طاعة ناشئة عن التكذيب، وإن كان السياق في شيء خاص، وهو أن المشركين طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم، أن يسكت عن عيب آلهتهم ودينهم، ويسكتوا عنه، ولهذا قال: { ودوا } أي: المشركون { لو تدهن } أي: توافقهم على بعض ما هم عليه، إما بالقول أو الفعل أو بالسكوت عما يتعين الكلام فيه، { فيدهنون } ولكن اصدع بأمر الله، وأظهر دين الإسلام، فإن تمام إظهاره بنقض ما يضاده، وعيب ما يناقضه، { ولا تطع كل حلاف } أي: كثير الحلف، فإنه لا يكون كذلك إلا وهو كذاب، ولا يكون كذابا إلا وهو { مهين } أي: خسيس النفس، ناقص الهمة، ليس له همة في الخير، بل إرادته في شهوات نفسه الخسيسة. { هماز } أي: كثير العيب [للناس] والطعن فيهم، بالغيبة والاستهزاء، وغير ذلك. { مشآء بنميم } أي: يمشي بين الناس بالنميمة، وهي: نقل كلام بعض الناس لبعض، لقصد الإفساد بينهم، وإلقاء العداوة والبغضاء، { مناع للخير } الذي يلزمه القيام به من النفقات الواجبة والكفارات والزكوات وغير ذلك، { معتد } على الخلق في ظلمهم، في الدماء والأموال والأعراض { أثيم } أي: كثير الإثم والذنوب المتعلقة في حق الله تعالى { عتل بعد ذلك } أي: غليظ شرس الخلق قاس غير منقاد للحق { زنيم } أي: دعي، ليس له أصل و [لا] مادة ينتج منها الخير، بل أخلاقه أقبح الأخلاق، ولا يرجى منه فلاح، له زنمة أي: علامة في الشر يعرف بها. وحاصل هذا، أن الله تعالى نهى عن طاعة كل حلاف كذاب، خسيس النفس، سيئ الأخلاق، خصوصا الأخلاق المتضمنة للإعجاب بالنفس، والتكبر على الحق وعلى الخلق، والاحتقار للناس، كالغيبة والنميمة، والطعن فيهم، وكثرة المعاصي. وهذه الآيات - …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قال ابن عباس: المهين الكاذب. وقال مجاهد: هو الضعيف القلب. قال الحسن: كل حلاف مكابر مهين ضعيف. وقوله {هماز} قال ابن عباس وقتادة: يعني الاغتياب. {مشاء بنميم} يعني: الذي يمشي بين الناس، ويحرش بينهم وينقل الحديث لفساد ذات البين وهي الحالقة، وقد ثبت في الصحيحين من حديث مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبرين فقال: "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر (1) من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة" الحديث. وأخرجه بقية الجماعة في كتبهم، من طرق عن مجاهد، به (2) . وقال أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن همام؛ أن حذيفة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يدخل الجنة قتات". رواه الجماعة -إلا ابن ماجه-من طرق، عن إبراهيم، به (3) . وحدثنا عبد الرزاق، حدثنا الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام، عن حذيفة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يدخل الجنة قتات" يعني: نماما (4) . وحدثنا يحيى بن سعيد القطان أبو سعيد الأحول، عن الأعمش، حدثني إبراهيم -منذ نحو ستين سنة-عن همام بن الحارث قال: مر رجل على حذيفة فقيل: إن هذا يرفع الحديث إلى الأمراء. فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول -أو: قال-: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة قتات" (5) . وقال أحمد: حدثنا هاشم، حدثنا مهدي، عن واصل الأحدب، عن أبي وائل قال: بلغ حذيفة عن رجل أنه ينم الحديث، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يدخل الجنة نمام" (6) . وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن ابن خثيم، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد بن السكن؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أخبركم بخياركم؟ ". قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "الذين إذا رؤوا ذكر الله، عز وجل". ثم قال: "ألا أخبركم بشراركم؟ المشاءون بالنميمة، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/١٥٥) ↗التحرير والتنوير
وهذا الانتقال تضمن وعدا ووعيدا، بإضافة السبيل إلى الله ومقابلة من ضل عنه بالمهتدين. وعموم من ضل عن سبيله وعموم المهتدين يجعل هذه الجملة مع كونها كالدليل هي أيضا من التذييل. وهو بعد هذا كله تمهيد وتوطئة لقوله: فلا تطع المكذبين [القلم: 8] . [8- 9] فلا تطع المكذبين (8) ودوا لو تدهن فيدهنون (9) تفريع على جملة إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله [القلم: 7] إلى آخرها، باعتبار ما تضمنته من أنه على الهدى، وأن الجانب الآخر في ضلال السبيل، فإن ذلك يقتضي المشادة معهم وأن لا يلين لهم في شيء، فإن أذاهم إياه آل إلى محاربة الحق والهدى، وتصلب فيما هم عليه من الضلال عن سبيل الله فلا يستأهلون به لينا ولكن يستأهلون إغلاظا. روي عن الكلبي وزيد بن أسلم والحسن بألفاظ متقاربة تحوم حول أن المشركين ودوا أن يمسك النبيء صلى الله عليه وسلم عن مجاهرتهم بالتضليل والتحقير فيمسكوا عن أذاه، ويصانع بعضهم بعضا فنهاه الله عن إجابتهم لما ودوا. ومعنى ودوا: أحبوا. وليس المراد أنهم ودوا ذلك في نفوسهم فأطلع الله عليه رسوله صلى الله عليه وسلم لعدم مناسبته لقوله: فلا تطع المكذبين. وورد في كتب السيرة أن المشركين تقدموا للنبيء صلى الله عليه وسلم بمثل هذا العرض ووسطوا في ذلك عمه أبا طالب وعتبة بن ربيعة. فينتظم من هذا أن قوله فلا تطع المكذبين نهي عن إجابتهم إلى شيء عرضوه عليه عند ما قرعهم بأول هذه السورة وبخاصة من وقع معنى التعريض البديع الممزوج بالوعيد بسوء المستقبل من قوله: فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون إلى قوله: بالمهتدين [القلم: 5- 7] فلعلهم تحدثوا أو أوعزوا إلى من يخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أو صارحوه بأنفسهم بأنه إن ساءه قولهم فيه إنه لمجنون [القلم: 51] فقد
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/٦٨) ↗