سورة القلم · الآية ٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقسم تعالى بالقلم، وهو اسم جنس شامل للأقلام، التي تكتب بها [أنواع] العلوم، ويسطر بها المنثور والمنظوم، وذلك أن القلم وما يسطرون به من أنواع الكلام، من آيات الله العظيمة، التي تستحق أن يقسم الله بها، على براءة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم مما نسبه إليه أعداؤه من الجنون، فنفى عنه الجنون، بنعمة ربه عليه وإحسانه، حيث من عليه بالعقل الكامل، والرأي الجزل، والكلام الفصل، الذي هو أحسن ما جرت به الأقلام، وسطره الأنام، وهذا هو السعادة في الدنيا، ثم ذكر سعادته في الآخرة، فقال: { وإن لك لأجرا } أي: عظيما، كما يفيده التنكير، { غير ممنون } أي: [غير] مقطوع، بل هو دائم مستمر، وذلك لما أسلفه النبي صلى الله عليه وسلم من الأعمال الصالحة، والأخلاق الكاملة، ولهذا قال: { وإنك لعلى خلق عظيم } أي: عاليا به، مستعليا بخلقك الذي من الله عليك به، وحاصل خلقه العظيم، ما فسرته به أم المؤمنين [عائشة - رضي الله عنها -] لمن سألها عنه، فقالت: " كان خلقه القرآن " ، وذلك نحو قوله تعالى له: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين [الأعراف: 199] فبما رحمة من الله لنت لهم [الآية] [آل عمران: 159]، لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم [التوبة: 128] وما أشبه ذلك من الآيات الدالات على اتصافه صلى الله عليه وسلم بمكارم الأخلاق، و[الآيات] الحاثات على الخلق العظيم، فكان له منها أكملها وأجلها، وهو في كل خصلة منها، في الذروة العليا، فكان صلى الله عليه وسلم سهلا لينا، قريبا من الناس، مجيبا لدعوة من دعاه، قاضيا لحاجة من استقضاه، جابرا لقلب من سأله، لا يحرمه، ولا يرده خائبا، وإذا أراد أصحابه منه أمرا وافقهم عليه، وتابعهم فيه إذا لم يكن فيه محذور، وإن عزم على أمر لم يستبد به دونهم، بل يشاورهم ويؤامرهم، وكان يقبل من محسنهم، ويعفو عن مسيئهم، ولم يكن يعاشر جليسا له إلا أتم عشرة وأحسنها، فكان لا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى منكرا على المشركين في تسميتهم الملائكة تسمية الأنثى، وجعلهم لها أنها بنات الله، كما قال: {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون} [الزخرف: 19] ؛ ولهذا قال: {وما لهم به من علم} أي: ليس لهم علم صحيح يصدق ما قالوه، بل هو كذب وزور وافتراء، وكفر شنيع. { إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا} أي: لا يجدي شيئا، ولا يقوم أبدا مقام الحق. وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث" (1) . وقوله: {فأعرض عن من تولى عن ذكرنا} أي: أعرض عن الذي أعرض عن الحق واهجره. وقوله: {ولم يرد إلا الحياة الدنيا} أي: وإنما (2) أكثر (3) همه ومبلغ علمه الدنيا، فذاك هو غاية ما لا خير فيه. ولذلك (4) قال: {ذلك مبلغهم من العلم} أي: طلب الدنيا والسعي لها هو غاية ما وصلوا إليه. وقد روى الإمام أحمد عن أم المؤمنين عائشة [رضي الله عنها] (5) قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له" (6) وفي الدعاء المأثور: "اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا". وقوله: {إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى} أي: هو الخالق لجميع المخلوقات، والعالم بمصالح عباده، وهو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وذلك كله عن قدرته وعلمه وحكمته، وهو العادل الذي لا يجور أبدا، لا في شرعه ولا في قدره.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٤٥٩) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ربك} [النحل: 125] يقول: إلى شريعة ربك التي شرعها لخلقه، وهو الإسلام {بالحكمة} [النحل: 125] يقول بوحي الله الذي يوحيه إليك وكتابه الذي ينزله عليك {والموعظة الحسنة} [النحل: 125] يقول: وبالعبر الجميلة التي جعلها الله حجة عليهم في كتابه، وذكرهم بها في تنزيله، كالتي عدد عليهم في هذه السورة من حججه، وذكرهم فيها ما ذكرهم من آلائه {وجادلهم بالتي هي أحسن} [النحل: 125] يقول: وخاصمهم بالخصومة التي هي أحسن من غيرها، أن تصفح عما نالوا به عرضك من الأذى، ولا تعصه في القيام بالواجب عليك من تبليغهم رسالة ربك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٤٠٠) ↗التحرير والتنوير
جعل المتنبي القوم الذين تركوا نزيلهم يرحل عنهم مع قدرتهم على إمساكه راحلين عن نزيلهم في قوله: إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ... أن لا تفارقهم فالراحلون همو ويجوز أن يكون المفتون مصدرا على وزن المفعول مثل المعقول بمعنى العقل والمجلود بمعنى الجلد والميسور لليسر، والمعسور لضده، وفي المثل «خذ من ميسوره ودع معسوره» . والباء على هذا للملابسة في محل خبر مقدم على المفتون وهو مبتدأ. يضمن فعل (تبصر ويبصرون) معنى: توقن ويوقنون، على طريق الكناية بفعل الإبصار عن التحقق لأن أقوى طرق الحس البصر ويكون الإتيان بالباء للإشارة إلى هذا التضمين. والمعنى: فستعلم يقينا ويعلمون يقينا بأيكم المفتون، فالباء على أصلها من التعدية متعلقة ب (يبصر ويبصرون) . [7] إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (7) تعليل لجملة: فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون [القلم: 5- 6] باعتبار ما تضمنته من التعريض بأن الجانب المفتون هو الجانب القائل له إنك لمجنون [الحجر: 6] وأن ضده بضده هو الراجع العقل أي الذي أخبرك بما كنى عنه قوله: فستبصر ويبصرون [القلم: 5] من أنهم المجانين هو الأعلم بالفريقين وهو الذي أنبأك بأن سيتضح الحق لأبصارهم فتعين أن المفتون هو الفريق الذين وسموا النبيء صلى الله عليه وسلم بأنه مجنون المردود عليهم بقوله تعالى: ما أنت بنعمة ربك بمجنون [القلم: 2] إذ هم الضالون عن سبيل رب النبيء صلى الله عليه وسلم لا محالة، وينتظم بالتدرج من أول السورة إلى هنا أقيسة مساواة مندرج بعضها في بعض تقتضي مساواة حقيقة من ضل عن سبل رب النبيء صلى الله عليه وسلم بحقيقة المفتون. ومساواة حقيقة المفتون بحقيقة المجنون، فتنتج أن فريق المشركين هم المتصفون بالجنون بقاعدة قياس المساواة أن مساوي المساوي لشيء مساو لذلك الشيء.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/٦٧) ↗