سورة القلم · الآية ٣٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ إنا بلوناهم كما بلونآ أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين * ولا يستثنون * فطاف عليها طآئف من ربك وهم نآئمون } إلى آخر القصة يقول تعال: إنا بلونا هؤلاء المكذبين بالخير وأمهلناهم، وأمددناهم بما شئنا من مال وولد، وطول عمر، ونحو ذلك، مما يوافق أهواءهم، لا لكرامتهم علينا، بل ربما يكون استدراجا لهم من حيث لا يشعرون، فاغترارهم بذلك نظير اغترار أصحاب الجنة، الذين هم فيها شركاء، حين زهت ثمارها أينعت أشجارها، وآن وقت صرامها، وجزموا أنها في أيديهم، وطوع أمرهم، [وأنه] ليس ثم مانع يمنعهم منها، ولهذا أقسموا وحلفوا من غير استثناء، أنهم سيصرمونها أي: يجذونها مصبحين، ولم يدروا أن الله بالمرصاد، وأن العذاب سيخلفهم عليها، ويبادرهم إليها. { فطاف عليها طآئف من ربك } أي: عذاب نزل عليها ليلا { وهم نآئمون } فأبادها وأتلفها { فأصبحت كالصريم } أي: كالليل المظلم، ذهبت الأشجار والثمار، هذا وهم لا يشعرون بهذا الواقع الملم، ولهذا تنادوا فيما بينهم لما أصبحوا يقول بعضهم لبعض: { أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين فانطلقوا } قاصدين له { وهم يتخافتون } فيما بينهم، ولكن بمنع حق الله، ويقولون: { لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين } أي: بكروا قبل انتشار الناس، وتواصوا مع ذلك، بمنع الفقراء والمساكين، ومن شدة حرصهم وبخلهم، أنهم يتخافتون بهذا الكلام مخافتة، خوفا أن يسمعهم أحد، فيخبر الفقراء. { وغدوا } في هذه الحالة الشنيعة، والقسوة، وعدم الرحمة { على حرد قادرين } أي: على إمساك ومنع لحق الله، جازمين بقدرتهم عليها، { فلما رأوها } على الوصف الذي ذكر الله كالصريم، { قالوا } من الحيرة والانزعاج. { إنا لضآلون } [أي: تائهون] عنها، لعلها غيرها، فلما تحققوها، ورجعت إليهم عقولهم قالوا: { بل نحن محرومون } منها، فعرفوا حينئذ أنه عقوبة، ف { قال أوسطهم } أي: أعدلهم وأحسنهم طريقة { ألم أقل لكم لولا تسبحون } أي: تنزهون الله عما لا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
والفواكه {إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين} أي: حلفوا فيما بينهم ليجذن ثمرها ليلا لئلا يعلم بهم فقير ولا سائل، ليتوفر ثمرها عليهم ولا يتصدقوا منه بشيء، {ولا يستثنون} أي: فيما حلفوا به. ولهذا حنثهم الله في أيمانهم، فقال: {فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون} أي: أصابتها آفة سماوية، {فأصبحت كالصريم} قال ابن عباس: أي كالليل الأسود. وقال الثوري، والسدي: مثل الزرع إذا حصد، أي هشيما يبسا. وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن أحمد بن الصباح: أنبأنا بشر بن زاذان، عن عمر بن صبح (1) عن ليث بن أبي سليم، عن عبد الرحمن بن سابط، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إياكم والمعاصي، إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به رزقا قد كان هيئ له"، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم} قد حرموا خير جنتهم بذنبهم (2) . {فتنادوا مصبحين} أي: لما كان وقت الصبح نادى بعضهم بعضا ليذهبوا إلى الجذاذ، {أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين} أي: تريدون الصرام. قال مجاهد: كان حرثهم عنبا. {فانطلقوا وهم يتخافتون} أي: يتناجون فيما بينهم بحيث لا يسمعون أحدا كلامهم. ثم فسر الله عالم السر والنجوى ما كانوا يتخافتون به، فقال: {فانطلقوا وهم يتخافتون أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين} أي: يقول بعضهم لبعض: لا تمكنوا اليوم فقيرا يدخلها عليكم! قال الله تعالى: {وغدوا على حرد} أي: قوة وشدة. وقال مجاهد: {وغدوا على حرد} أي: جد وقال عكرمة: غيظ. وقال الشعبي: {على حرد} على المساكين. وقال السدي: {على حرد} أي: كان اسم قريتهم حرد. فأبعد السدي في قوله هذا! {قادرين} أي: عليها فيما يزعمون ويرومون. {فلما رأوها قالوا إنا لضالون} أي: فلما وصلوا إليها وأشرفوا عليها، وهي على الحالة التي قال الله، عز وجل، قد استحالت عن تلك النضارة والزهرة وكثرة الثمار إلى أن صارت سوداء مدلهمة، لا ينتفع بشيء منها، فاعتقدوا أنهم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ربنا راغبون} [القلم: 32] يقول: إنا إلى ربنا راغبون في أن يبدلنا من جنتنا إذ هلكت خيرا منها.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/١٨٣) ↗التحرير والتنوير
وعن أبي خالد اليماني (1) أنه قال: دخلت تلك الجنة فرأيت كل عنقود منها كالرجل الأسود القائم. وقرأ الجمهور أن يبدلنا بسكون الموحدة وتخفيف الدال. وقرأه نافع وأبو عمرو وأبو جعفر يبدلنا بفتح الموحدة وتشديد الدال وهما بمعنى واحد. قال ابن الفرس في «أحكام القرآن» : استدل بهذه الآية أبو محمد عبد الوهاب على أن من تعمد إلى نقص النصاب قبل الحول قصدا للفرار من الزكاة أو خالط غيره، أو فارقه بعد الخلطة فإن ذلك لا يسقط الزكاة عنه خلافا للشافعي. ووجه الاستدلال بالآية أن أصحاب الجنة قصدوا بجذ الثمار إسقاط حق المساكين فعاقبهم الله بإتلاف ثمارهم. [33] 33] كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون (33) رجوع إلى تهديد المشركين المبدوء من قوله: إنا بلوناهم [القلم: 17] ، فالكلام فذلكة وخلاصة لما قبله وهو استئناف ابتدائي. والمشار إليه باسم الإشارة هو ما تضمنته القصة من تلف جنتهم وما أحسوا به عند رؤيتها على تلك الحالة، وتندمهم وحسرتهم، أي مثل ذلك المذكور يكون العذاب في الدنيا، فقوله: كذلك مسند مقدم والعذاب مسند إليه، وتقديم المسند للاهتمام بإحضار صورته في ذهن السامع. والتعريف في العذاب تعريف الجنس وفيه توجيه بالعهد الذهني، أي عذابكم الموعد مثل عذاب أولئك والمماثلة في إتلاف الأرزاق والإصابة بقطع الثمرات. وليس التشبيه في قوله: كذلك العذاب مثل التشبيه في قوله: وكذلك جعلناكم أمة وسطا [البقرة: 143] ، ونحوه ما تقدم في سورة البقرة بل ما هنا من قبيل التشبيه
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/٨٩) ↗