البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالموضوعات

سورة الملك · الآية ٣

﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ۖ مَا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِنْ تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِنْ فُطُورٍ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

{ تبارك الذي بيده الملك } أي: تعاظم وتعالى، وكثر خيره، وعم إحسانه، من عظمته أن بيده ملك العالم العلوي والسفلي، فهو الذي خلقه، ويتصرف فيه بما شاء، من الأحكام القدرية، والأحكام الدينية، التابعة لحكمته، ومن عظمته، كمال قدرته التي يقدر بها على كل شيء، وبها أوجد ما أوجد من المخلوقات العظيمة، كالسماوات والأرض. وخلق الموت والحياة أي: قدر لعباده أن يحييهم ثم يميتهم { ليبلوكم أيكم أحسن عملا } أي: أخلصه وأصوبه، فإن الله خلق عباده، وأخرجهم لهذه الدار، وأخبرهم أنهم سينقلون منها، وأمرهم ونهاهم، وابتلاهم بالشهوات المعارضة لأمره، فمن انقاد لأمر الله وأحسن العمل، أحسن الله له الجزاء في الدارين، ومن مال مع شهوات النفس، ونبذ أمر الله، فله شر الجزاء. { وهو العزيز } الذي له العزة كلها، التي قهر بها جميع الأشياء، وانقادت له المخلوقات. { الغفور } عن المسيئين والمقصرين والمذنبين، خصوصا إذا تابوا وأنابوا، فإنه يغفر ذنوبهم، ولو بلغت عنان السماء، ويستر عيوبهم، ولو كانت ملء الدنيا، { الذي خلق سبع سموت طباقا } أي: كل واحدة فوق الأخرى، ولسن طبقة واحدة، وخلقها في غاية الحسن والإتقان، { ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت } أي: خلل ونقص. وإذا انتفى النقص من كل وجه، صارت حسنة كاملة، متناسبة من كل وجه، في لونها وهيئتها وارتفاعها، وما فيها من الشمس والقمر والكواكب النيرات، الثوابت منهن والسيارات. ولما كان كمالها معلوما، أمر [الله] تعالى بتكرار النظر إليها والتأمل في أرجائها، قال: { فارجع البصر } أي: أعده إليها، ناظرا معتبرا { هل ترى من فطور } أي: نقص واختلال، { ثم ارجع البصر كرتين } المراد بذلك: كثرة التكرار { ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير } أي: عاجزا عن أن يرى خللا أو فطورا، ولو حرص غاية الحرص. ثم صرح بذكر حسنها، فقال: { ولقد زينا السمآء الدنيا بمصبيح وجعلنها رجوما... }.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الملك ١–٤) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

وقوله: {ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت} أي: بل هو مصطحب مستو، ليس فيه اختلاف ولا تنافر ولا مخالفة، ولا نقص ولا عيب ولا خلل؛ ولهذا قال: {فارجع البصر هل ترى من فطور} أي: انظر إلى السماء فتأملها، هل ترى فيها عيبا أو نقصا أو خللا؛ أو فطورا؟. قال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، والثوري، وغيرهم في قوله: {فارجع البصر هل ترى من فطور} أي: شقوق. وقال السدي: {هل ترى من فطور} أي: من خروق. وقال ابن عباس في رواية: {من فطور} أي: من وهي (1) وقال قتادة: {هل ترى من فطور} أي: هل ترى خللا يا ابن آدم؟. وقوله: {ثم ارجع البصر كرتين} قال: مرتين. {ينقلب إليك البصر خاسئا} قال ابن عباس: ذليلا؟ وقال مجاهد، وقتادة: صاغرا. {وهو حسير} قال ابن عباس: يعني: وهو كليل. وقال مجاهد، وقتادة، والسدي: الحسير: المنقطع من الإعياء. ومعنى الآية: إنك لو كررت البصر، مهما كررت، لانقلب إليك، أي: لرجع إليك البصر، {خاسئا} عن أن يرى عيبا أو خللا {وهو حسير} أي: كليل قد انقطع من الإعياء من كثرة التكرر، ولا يرى نقصا. ولما نفى عنها في خلقها النقص بين كمالها وزينتها فقال: {ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح} وهي الكواكب التي وضعت فيها من السيارات والثوابت. وقوله: {وجعلناها رجوما للشياطين} عاد الضمير في قوله: {وجعلناها} على جنس المصابيح لا على عينها؛ لأنه لا يرمي بالكواكب التي في السماء، بل بشهب من دونها، وقد تكون مستمدة منها، والله أعلم. وقوله: {وأعتدنا لهم عذاب السعير} أي: جعلنا (2) للشياطين هذا الخزي في الدنيا، وأعتدنا لهم عذاب السعير في الأخرى، كما قال: في أول الصافات: {إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب دحورا ولهم عذاب واصب إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب} [الصافات: 6 -10] . قال قتادة: إنما خلقت هذه النجوم لثلاث خصال: خلقها الله زينة للسماء، ورجوما للشياطين، …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

التحرير والتنوير

وأما الغفور فهو الذي يكرم أولياءه ويصفح عن فلتاتهم فهو مناسب للجزاء على الطاعات وكناية عنه، قال تعالى: وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى [طه: 82] فهو إشارة إلى حظ أهل الصلاح من المخاطبين. [3- 4] الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور (3) ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير (4) صفة ثانية للذي بيده الملك، أعقب التذكير بتصرف الله بخلق الإنسان وأهم أعراضه بذكر خلق أعظم الموجودات غير الإنسان وهي السماوات، ومفيدة وصفا من عظيم صفات الأفعال الإلهية، ولذلك أعيد فيها اسم الموصول لتكون الجمل الثلاث جارية على طريقة واحدة. والسماوات تكرر ذكرها في القرآن، والظاهر أن المراد بها الكواكب التي هي مجموع النظام الشمسي ما عدا الأرض، كما تقدم عند قوله تعالى: فسواهن سبع سماوات في [سورة البقرة: 29] فإنها هي المشاهدة بأعين المخاطبين، فالاستدلال بها استدلال بالمحسوس. والطباق يجوز أن يكون مصدر طابق وصفت به السماوات للمبالغة، أي شديدة المطابقة، أي مناسبة بعضها لبعض في النظام. ويجوز أن تكون طباقا جمع طبق، والطبق المساوي في حالة ما، ومنه قولهم في المثل: «وافق شن طبقه» . والمعنى: أنها مرتفع بعضها فوق بعض في الفضاء السحيق، أو المعنى: أنها متماثلة في بعض الصفات مثل التكوير والتحرك المنتظم في أنفسها وفي تحرك كل واحدة منها بالنسبة إلى تحرك بقيتها بحيث لا ترتطم ولا يتداخل سيرها. وليس في قوله: طباقا ما يقتضي أن بعضها مظروف لبعض لأن ذلك ليس من مفاد مادة الطباق (فلا تكن طباقاء) .

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/١٦) ↗